الإثنين 03 أغسطس 2020

2019 كان “موسم الهجرة إلى الشمال” لـاستقصائيي العالم

تاريخ النشر : 3 يناير 2020

كتب عيسى زيادية

في الخامس والعشرين من سبتمبر 2019 استقبل مطار هامبورغ شمال ألمانيا ، أكثر من 1700 صحافي فضولي من 130 دولة، قدموا من القارات الخمس  بحثا عن أدوات جديدة للتنقيب عن الجرائم وتتبع الانتهاكات ورصد الممارسات الفاسدة وغير الأخلاقية التي ترتكب في مختلف أنحاء العالم لتحقيق منافع وأرباح شخصية ، وفي تركيز تامّ من هؤلاء -الصحافيين- للبحث عن زملاء وشركاء لتطوير قصصهم وتنفيذ مشاريعهم الاستقصائية.

 

تحت عنوان المؤتمر الحادي عشر للصحافة الاستقصائية استطاعت الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية، الناطقة حاليا بخمس لغات، أن تحشد هذا العدد غير المسبوق من الصحافيين والخبراء في تحليل البيانات وتتبع الجريمة المنظمة والكشف عن الفساد قدموا وتناقشوا في خبراتهم خلال  250 ورشة وجلسة  انتظمت على مدى خمسة أيام كانت الحدث الأهم للصحافة الاستقصائية في 2019.

 

ضمت الورشات في الغالب أكثر من خبير وتطرقت للجانبين النظري والعملي من خلال تقديم مغامرات وتحديات حقيقية على لسان أبطالها الذي خاضوا مهمات شاقة في تحقيقات محلية وعابرة للحدود مثل تتبع تجارة الأسلحة، وانتهاك حقوق الأقليات واسكات الاحتجاجات واستغلال مواقع التواصل الاجتماعي في حملات الدعاية والتضليل وغيرها.

 

 

إن ما يجعلني أصف ما حدث ب”موسم الهجرة الى الشمال” علاوة على الحجم الكبير للصحافيين الذين اجتمعوا لنحو أسبوع حيث سقف العالم، في قاعات جامعة هافن سيتي بهامبورغ ومقر المؤسسة الاعلامية الألمانية العريقة دير شبيغل بعد اجتماع قبل عامين في المؤتمر العاشر في جنوب إفريقيا وتحديدا بجوهانسبرغ، هو الانتظارات الموضوعة على هذا المؤتمر الذي مثل مناسبة عالمية لشحذ عزائم الصحافيين من أنحاء العالم ومدّهم بالمعرفة والأدوات  المناسبة لمحاربة الفساد وبناء صحافة جادة وثيقة الصلة بمشاغل الرأي العام في مختلف بلدان العالم.

 

كصحفي ينتمي الى دول الجنوب، كان قبولي في منحة حضور المؤتمر أمرا عظيما لصحفي لم يتجاوز الرابعة والعشرين، أوله زيارة أوروبا لأول مرّة وأهمّه الفرصة العلمية التي ستمنح لي ذلك أننا في الداخل التونسي لازلنا نفتقد في صحافتنا المحلية إلى الحضور القوي للصحافة الاستقصائية وغياب المهارات المتقدمة في تقصي المعلومات والجرائم، أضف اليهما التوجه السائد في المؤسسات الإعلامية التونسية التي لا تعير الاستقصاء أية أهمية أمام المضامين التجارية.

 

في تونس  يقتصر الاستقصاء  تقريبا على الصحفيين المستقلين، الذين يجدون صعوبة في تمويل مشاريعهم وقصصهم وهو وضع ينسحب على أغلب الدول العربية ودول الجنوب التي يرزح معظمها تحت أنظمة حكم دكتاتورية أوتعاني من أوضاع اقتصادية هشة، تضغط على كل شيء، لأجل هذا ركز المؤتمر في جانب كبير منه على توفير فرص للتشبيك بين الصحفيين وتخصيص جلسات لعرض استراتيجيات النجاح في الحصول على تمويل القصص.

 

مثلما حضر المؤتمر صحافيون حضرت كذلك مؤسسات ومنظمات عريقة على غرارBBC, ICIJ, OCCRP و غيرهم لتقدم برامجها المستقبلية في دعم الصحفيين المستقلين وتمويل القصص التي تغطي قضايا المناطق المعزولة اعلاميا على غرار اليمن وسوريا والتحقيق في نهب ثروات الشعوب والجرائم المنظمة العابرة للحدود.

 

ضمّ المؤتر في مكان واحد الصحفيين الشباب والناشطين المدنيين ومسؤولي المؤسسات الاعلامية العالمية ومتحدثين خبراء وأصحاب تجارب في مغامرات استقصائية ومهمات أكاديمية في جامعات الصحافة  من أوروبا وأمريكا وغيرهما، عرضوا آخر الأدوات الاستقصائية ووسائل عرض القصص المدفوعة بالبيانات باستخدام برامج السرد البصري.

 

حضور جلسات نقاش لخطط الاطاحة بالمجرمين في حق الشعوب والبيئة والأقليات والنساء تضمن سردا للمهارات والأدوات التي استخدمها صحفيون شجعان في تغطية الاحتجاجات في المملكة العربية السعودية مثلا وكشف جرائم شركات عالمية في انتهاك قواعد حماية البيئة في أفريقيا واستغلال الأطفال من قبل ماركات معروفة في العمل الشاق في بلدان شرق آسيا.

 

لقد تمكن منظمو المؤتمر في الحقيقة من تقديم أجندة محكمة امتدت على مئات الجلسات التي مست مختلف جوانب الصحافة الاستقصائية وما يتعلق بها من اشكاليات سواء في الجوانب القانونية أو سلامة الصحافيين أو خطط اثبات فرضية التحقيق وصولا الى مرحلة تقديم القصة وعرضها في مختلف المحامل الصحفية من القصص المكتوبة وصولا الى الأفلام الوثائقية بالاعتماد على مهارات مئات  الخبراء من ذوي خلفيات وتجارب رائدة على غرار “ناشيونال جيوغرافيك” ، “نيويورك تايمز” و”بي بي سي”.

 

 

اللافت في المؤتمر هو الفرصة التي قدمت لصحفيي البلدان النامية الطموحين في ايجاد آفاق جديدة لتحصيل المهارات الاساسية وايجاد طرق للابداع المهني في مهنة يعاني أصحابها من تواضع الآجور والارهاق النفسي والجسدي والعمل في ظروف تمارس فيها كل أشكال التضييق على الحريات وكتم الاصوات المنادية بمحاسبة مخالفي القانون والمتحيلين على ثروات الأمم وحقوقهم.

 

ايلاء الأهمية لجانب التشبيك وتبادل الخبرات وتشجيع  انجاز تحقيقات عابرة للحدود مكن صحفي الجنوب من بناء جسور متينة بين الصحافيين والمؤسسات والمنظمات لتحصيل أعمال أكثر نفعية ومردودية على الجانب الشخصي وأكثر تأثيرا في ما يتعلق باثر القصص بعد النشر ضمن برامج لها قدرة على الضغط والتنديد بالممارسات المشبوهة.

 

دائما ما كانت الافاق مرتبطة بالرقعة الجغرافية التي يتواجد فوقها الصحافي وفق رؤية كلاسيكية أهملت لوقت ضرورة انفتاح الصحفي على تعلم مهارات جديدة عدى الكتابة على غرار البرمجة والاستثمار في التطور التقني وتحويل الموبايل الى أداة للانتاج البصري والبث المباشر وصياغة القصص اليومية بطريقة تضمن قدرا أعلى من الانتشار.

 

في هذا السياق حضرت بقوة الجلسات والورشات  المتخصصة في التعريف بأنجع المهارات في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في بناء قصص صحفية وقواعد بيانات  تنطلق منها، والاستثمار فيها كمنصات للنشر والوصول الى الجمهور بأقصر الطرق وأكثرها فاعلية، دون اغفال الحاجة  الى محاربة الأخبار الزائفة التي تنتشر عبرها من خلال مهارات تحليل الصور والفيديوهات وكشف الحسابات المزيفة.

 

على نحو عام برز في  المحتوى المقدم في المؤتمر الحادي عشر للصحافة الاستقصائية الحرص على تحسيس الصحفيين بضرورة استغلال التكنولوجيا لتتبع الجريمة التي تمرّ عبر الأنظمة المعلوماتية وأجهزة تنظيم عمليات الشحن والتوزيع بين قارات العالم الخمس، اذ خصصت جلسات كاملة لتقديم أخر الأدوات المستخدمة من قبل الصحافيين في تتبع شحنات السلع والأسلحة والمنتجات الخطيرة والموارد الطبيعية والسلالات المهربة ، باتقان استخدام مواقع تتبع الطائرات والسفن والالمام بقرائة بيانات منتجات النقل والتصنيع.

 

الأهم في المؤتمر أنه نجح في تغطية كافة المواضيع التي تهم الصحفيين، حيث شملت الجلسات كافة التخصصات الصحفية، مع تركيز على تتبع قضايا الفساد واستغلال النفوذ وتجاوز القانون وكيفية الولوج الى مصادر البيانات المفتوحة والمغلقة وخطة اكتساب تقنيات بناء قواعد بيانات شخصية بالاعتماد على مواقع تدفق المعلومات مثل مواقع التواصل الاجتماعي.

 

تضمن برنامج المؤتمر مثل كل دورة  حفل تقديم جائزة الضوء الساطع التي تمنح لأفضل تحقيق استقصائي نشر خلال العامين الماضيين في البلدان النامية التي تعاني ظروف قاسية من الفساد والتهديد وقد ضمت القائمة النهائية 12 تحقيقا استقصائيا من بلدان مختلفة  على غرار الهند ومصر والسودان واذربيجان والمكسيك وفنزويلا، و فازت في النهاية قصص عن الفساد في أمريكا اللاتينية أعدها موقع  IDL-Reporteros، وأخرى حول القتل خارج نطاق القانون في الفلبين من إنتاج Rappler، وطغيان الدولة وفسادها في جنوب أفريقيا .

 

في المحصلة يصحّ القول بأن المؤتمر الحادي عشر للصحافة الاستقصائية كان الحدث الأهم للصحافة الاستقصائية في 2019 بتجميعه الصحفيين من كامل أنحاء العالم، وإعطاء صحفيي البلدان النامية فرصة التعبير عن امكانيتهم ومناقشة فرص وُلُوجِهم إلى المؤسسات الإعلامية العالمية، وايجاد الدعم في اكتساب الخبرات وانجاز التحقيقات التي توفرها منظمات وبرامج متخصصة في دعم استقلالية الصحافة الاستقصائية.

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *