السبت 08 أغسطس 2020

“يوم نُساءُ ويوما نُسرُّ” .. في قرطاج أو القصبة …ورقعة المعركة تنتشر (مقال رأي)

تاريخ النشر : 14 ديسمبر 2018

“يوم نُساءُ ويوما نُسرُّ” .. في قرطاج أو القصبة …ورقعة المعركة تنتشر (مقال رأي)
بقلم أيمن الزمالي*

كيف يمكن لمحسوبين على نداء تونس الحزب الحاكم، الذي أسسه رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي، وينتمي ثلث الفريق الحكومي له، أن يدعوا ويحرضوا على الخروج للشارع ضد قانون المالية ل2019 ، أو أن ينضموا لتجمع أنصار الاتحاد العام التونسي للشغل، أمام البرلمان، للاحتجاج على عدم الاستجابة لطلب الزيادة في الأجور بالوظيفة العمومية؟

مفارقة غريبة ومضحكة للبعض، أن ينضم حزب حاكم الى صفوف المعارضة والمحتجين على سياسة الدولة، ولكنها في الحقيقة، حلقة خطيرة أخرى ، تندرج في سياق المعركة الضروس، الحامية الوطيس، التي طفت على السطح منذ أشهر، الدائرة بين نجل رئيس الجمهورية حافظ قايد السبسي ومن والاه، ضد رئيس الحكومة وفريقه ومن يقفون في صفه .

ولأن السياسة هي أرض البراغماتية دون منازع، ولأن “القوة والزيف” هما “الفضيلتان” الأساسيتان في الحرب، فان يوسف الشاهد وحافظ قايد السبسي المستجير بأبيه، لم يتوانا الى اللحظة السياسية الانية بتوقيت تونس، على استعمال كل الأسلحة، الشرعية منها و المحضورة أخلاقيا ، التقليدية وغيرها ، الزائفة والملموسة..أو المفتعلة، لاضعاف الخصم أو ربح نقاط على حسابه ..

وبمنطق الحرب سجال، “يوما نُساءُ ويوما نُسرُّ” كما قال العرب قديما، أو “قلبة بقلبة” كما هو دارج لتوصيف التطورات الدراماتيكية لهذه المعركة، في الأوساط المقربة من قرطاج ومن القصبة، وبين الطبقة السياسية التونسية عموما، تخاض هذه الحرب فتاكة، لن تهدأ ولن تنتهي سوى بهزيمة أحد الطرفين أو ارغامه على الاستسلام .

فهل من تفسير منطقي، مثلا لتغير مواقف رئيس الجمهورية وحزبه الذي أسسه من حليفته حركة النهضة مائة وثمانين درجة بعد أربع سنوات كاملة من التوافق التام الى حد التماهي في المواقف طيلة تلك المدة دون أسباب أخرى تذكر ، ما عدى المتعلقة بموقف الحركة، التي تشبثت بالاستقرار الحكومي وانحازت ليوسف الشاهد خوفا من خطوة قد تكون أخطارها أكبر على الحركة من منافعها؟

وكيف لا يمكن أن تندرج، استفاقة رئيس الجمهورية خلال الأسابيع القليلة الماضية فقط، بخصوص ملف الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، الذي لم تتقدم الأبحاث بخصوصه قيد أنملة ، وما وثقته هيئة الدفاع عن الشهيدين بخصوص “جهاز سري” قالت انه ينتمي لحركة النهضة وله يد في عمليات الاغتيالات، وتبنيه الشخصي له، في غير اطار معاقبة حركة النهضة على موقفها من الانحياز ليوسف الشاهد، ووراء ذلك اضعافا لهذا الأخير المحتمي بالحركة ؟

في حقيقة الأمر، وإن كانت حركة النهضة والجبهة الشعبية تعيان أنهما تحولتا في وجه آخر للحقيقة، الى حصانيين طرواديين، في المعركة الدائرة، بين قرطاج والقصبة، غير أن التموقع السياسي لكلا الحساسييتين، وانخراطهما غير المباشر في هذه المعركة، فيه الربح
السياسي الكثير العائد لصالحهما آنيا .. ولكن أن تشمل الحرب قطاعات ومؤسسات سياسية وسيادية حساسسة ، فان ذلك يدق ناقوز الخطر ..ويحمل الجميع مسؤولية تبعاتها ..

فهذه المعركة، لم تقتصر على التجاذب السياسي فقط. ولا يمكن اختصارها في مسائل تتعلق باستعمال قصووي لصلاحيات كل من رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، بل شملت كل القطاعات التي يتم تطويعها لخدمة مصالح هذا على حساب الاخر، بمنطق “ليست الحكمة بل السلطة هي ما يصنع القانون” كما يذهب الى ذلك توماس هوبز. فلم يجانب عدد من الفاعلين السياسيين من خارج منظومة الحكم وأجنحته الصواب، بأن حذروا من توظيف أدوات ومؤسسات الدولة في هذا الصراع المعقد..

ففي غضون الأسبوع الجاري فقط، كشفت “أي ووتش” عن مراسلة سرية وجهها يوسف الشاهد للاتحاد الأوروبي، لحذف مروان مبروك دون غيره من قائمة تضم عشرات رجال الأعمال الذين تم تجميد أموالهم للاشتباه في ضلوعهم في عمليات فساد زمن النظام السابق . ومن قصر قرطاج، أصدر رئيس الجمهورية، عفوا خاصا في حق برهان بسيس دون تبرير واضح لذلك ..وطبعا، كان بسيس ظل حافظ قايد السبسي وعقله السياسي، قبل أن يتم القبض عليه وايداعه السجن على خلفية قضية فساد ..

من جهة أخرى، كان حزب نداء تونس قلد رجل الأعمال رضا شرف الدين رئاسة لجنة الانتخابات صلبه ، وهو منطلق استقطاب للوبيات اقتصادية، وحصير مالي ولوجستي هام قبل الاستحقاقات المقبلة. ليأتي الرد سريعا من القصبة عبر المصادقة على فصل بقانون المالية ل2019، يؤجل بمقتضاه الترفيع في الضريبة على الفضاءات التجارية الكبرى، الذي لم يخفي نوايا ترضية رجال الأعمال المستثمرين في هذا القطاع ومغازلتهم ، خاصة أن الشاهد ومجموعته، يستعدون للاعلان عن مبادرة سياسية جديدة قريبا ..

وفي نفس سياق هذه الحرب التي تتوسع “رقعتها” يوما بعد يوم بغاية تزعم أركان الدولة العميقة، تحول الانقسام صلب المشهد الاعلامي الى حزبين، يدعم الأول القصبة علنية ويدعم الثاني قرطاج بتبجح ووضوح ويعادي القصبة. تحول كذلك إلى مرايا عاكسة لهذا الصراع. وتحولت المنابر أذرعا طويلة تمتد من أحد طرفي الصراع، شأن الحروب بالوكالة لصالح من توالي ..

ولم يقتصر الأمر على هذا فقط، فهناك شكوك تحوم حول تحركات ممثلي كلا الفريقين، الديبلوماسية، في الأسابيع القليلة الماضية، وعملهم على اقناع القوى المؤثرة في مستقبل المنطقة والبلاد للانحياز لرؤاهم، فيتهامز جزء من الطبقة السياسية والمتابعين حول مخاوف من الزج بالسياسة الخارجية في هذه الحرب، تطويعا لأهداف شخصية وفئوية لا علاقة لمصالح البلاد بها من قريب ولا من بعيد ..

على كل، هي معركة عنقودية، تؤكد كل المؤشرات أنها تزداد تفككا وانفجارا، دون ضوابط ولا قواعد تنظمها ، تخاض في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية هشة تهدد استقرار البلاد. لذا وجب فك شيفراتها وكشف تطوراتها للرأي العام، خاصة أنها قد تمس قطاعات ومؤسسات سياسية وسيادية حساسة ، وقد أصبحت أكثر حدة وخطرا بعد أن انخرط فيها الرئيس الباجي قايد السبسي بثقله، .. بعد أن تم تجاوزه عنوة، في آخر تحوير وزاري ، تم دون رضاه مطلقا …


عالما تماما بما قاله عدي بن ربيعة بن مرة يوما ، حين أنشد:

"تردوا لنا الإتارةَ والفيْءَ وَلاَ نَجعلُ الحروبَ وعيداً

وإنْ تلمني عجائزٌ منْ نزارٍ فأرانِي فيما فعلتُ مجيداً"

*كاتب صحافي تونسي

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

None found

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *