الثلاثاء 20 أكتوبر 2020

هل تقضي معركة إدلب على التموقع الاستراتجيي لتركيا شمال سوريا؟

تاريخ النشر : 18 فبراير 2020

كتب بدر السلام الطرابلسي

إعادة فتح مطار إدلب الدولي بعد سنوات من الغلق بسبب سيطرة المعارضة السورية المسلحة على محافظة إدلب (شمال سوريا قرب الحدود التركية) يمثّل في قاموس الصراع العسكري والجيوستراتيجي بين النظام السوري ومن ورائه حليفته روسيا من جهة، وبين المعارضة المسلحة ومن ورائها الراعي التركي من جهة أخرى، يمثّل خطوة استراتيجية مهمة في اتجاه استعادة ما تبقى من قرى وبلدات في محافظة إدلب (شمال سوريا قرب الحدود التركية). وهي بالمناسبة المحافظة الوحيدة التي لا تزال خارج سيطرة النظام السوري، وإن استطاعت قواته أن تحدث فيها خرقا عسكريا وتجبر القوات التركية المرابضة داخلها عبر 12 نقطة مراقبة للتقهقر.

 

التراجع العسكري للجنود الأتراك من نقاط تفتيش متقدمة في محافظة إدلب حصل إثر مقتل ستة منهم إضافة لثلاثة مدنيين اتراك يعملون مع الجيش التركي في سوريا.

 

هذه التطورات الميدانية الأخيرة فتحت الباب لمفاوضات جديدة في موسكو بين وفدين عسكريين أحدهما يمثل تركيا والآخر يمثل روسيا من أجل التوصل لوقف لإطلاق النار بين النظام السوري من جهة والمعارضة السورية المسلحة من جهة اخرى في محافظة إدلب، والعودة لبنود اتفاق “سوشي” بشأن إدلب الذي ينص على أحداث منطقة منزوعة السلاح شمال سوريا ووقف إطلاق النار بين النظام والمجموعات المسلحة سواء هيئة تحرير الشام (تنظيم النصرة السابقة) أو بقايا الجيش الحر والجيوب المتبقية من المعارضة السورية المسلحة.

 

وفي الوقت الذي تجري فيه المفاوضات بين الروس والأتراك في موسكو يحقق الجيش السوري المزيد من التقدم على الميدان سواء تعلق الأمر بالقرى والأرياف المحيطة بمحافظة حلب أو التقدم شمالا بنيّة السيطرة الكاملة على محافظة إدلب. هذا يعني إجبار القوات التركية على التراجع لحدودها الجنوبية مع سوريا وهو أمر ليس من السهل تحقيقه أو تطبيقه في اللحظة الراهنة لأنه يعني عمليا انتهاء الدور التركي في سوريا بنسبة 90 بالمائة (أخذا بعين الاعتبار وجودها في المنطقة التي كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية سابقا قبل التدخل العسكري التركي وانشاء المنطقة الامنة التي تمتد على 30 كيلومتر داخل العمق السوري انطلاقا من حدود تركيا الجنوبية)، وتخلي انقرة على حلفائها من بقايا المعارضة المسلحة وهيئة تحرير الشام وخسارة استثمار عسكري ومالي ولوجستي واعلامي تواصل على امتداد تسعة سنوات من عمر الحرب في سوريا.

 

تركيا ردت الفعل عندما هاجمت القوات السورية جنودها وقتلتهم عند نقاط التفتيش في إدلب حيث قصفت مواقع تمركز جنود سورين وقتلت 12 منهم ولكن يبقى ردا دون المأمول مقارنة بحضورها العسكري الذي كان طاغيا في سوريا في سنوات سابقة، خاصة انها خسرت مواقع جديدة في محافظة إدلب لصالح النظام السوري المدعوم من الطيران العسكري الروسي.

 

أنقرة حاليا تجد نفسها شبه معزولة في سوريا بعد تخلي الدول الخليجية عن دورها في دعم المعارضة السورية (هنا نتحدث خصوصا عن السعودية والامارات وبأقل درجة قطر)، وكذلك الأوروبيين والأمريكيين، ورأينا مؤخرا كيف أدارت واشنطن ظهرها للأكراد أقرب حلفائها في سوريا بعد انسحابها من الشمال الشرقي السوري وتركهم لمصيرهم في مواجهة الطيران الحربي التركي.

 

فلا موقف أممي مؤيد للحضور العسكري والمدني التركي في شمال سوريا (ورأينا حجم الادانة العربية والأوروبية والأمريكية لعملية نبع السلام والتدخل التركي بشكل عام في الشمال السوري) ولا موقف داخلي داعم لها (الكثير من التقرير الاعلامية نقلت ادانة المعارضة التركية للتدخل التركي في سوريا). ولذلك ربما ستسعى أنقرة نحو إيجاد مخرج من الجحيم السوري بأخف الأضرار يحفظ لها ماء الوجه ويترك لها بعض النفوذ في المناطق الحدودية خصوصا شمال شرق سوريا داخل مناطق  تواجد قوات سوريا الديمقراطية. فلا هي قادرة على استقبال قرابة 3 ملايين لاجىء سوري نحو حدودها (وقد نزح منهم بالفعل  1.7 مليون) ولا هي قادرة على تحمل تكلفة حرب مباشرة مع النظام السوري ومن ورائه الاتحاد الروسي خاصة وان تركيا تعيش صوبات اقتصادية لعل اهمها فقدان الليرة التركية لثلث قيمتها في السنوات الأخيرة وتزايد الدين العام.

 

هذا دون الحديث عن التزام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بدعم حكومة الوفاق الليبية ماليا وعسكريا (جنود وعتاد وتجهيزات حربية) وهو ما يثقل كاهل الاقتصادي التركي الذي يعيش صعوبات خارجية بعد قرار الادارة الأمريكية تسليط عقوبات مالية و تجارية على أنقرة إثر عملية “نبع السلام” العسكرية شمال سوريا.

 

علينا أيضا أن لا نغفل عن محدودية أوراق تركيا الخارجية وتراجعها بسبب تراجع الفصائل والتنظيمات السياسية التي تدعمها في عدد من الدول العربية. وضياع فرصتها في إحداث تغييرات جوهرية في ظل الصعوبات المحلية التي تعيشها والتي أتينا على ذكر بعضها زائد المواجهة المفتوحة التي لا تتوقف مع حزب العمال الكردستاني الـ”بي كاي كاي”.

 

الخيارات حاليا محدودة أمام تركيا أمام تراجع دورها في المنطقة ولم يبقى لها سوى العمل على تدوير الزوايا في المعضلات الاستراتيجية التي تواجهها على الحدود وداخل المناطق السورية الشمالية والاعتراف بتراجع دورها الجيوبوليتيكي داخل سوريا وفي علاقة بالمعارضة المسلحة التي تدعمها من أجل البدء في التفكير في مخرج واقعي من المازق الجيوستراتيجي الذي وضعت نفسها فيه.

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *