الأحد 16 مايو 2021

محدودية مقاربة فرنسا ماكرون في التعامل مع الاسلام السياسي

تاريخ النشر : 24 أكتوبر 2020
79 views

 

هندة العرفاوي*

ازدواجية المعايير وعدم المساواة في الإنسانية هي القيم التي تؤسس عليها فرنسا ماكرون قيمها المستقبلية.

قيم الانوار التي أنشئت لتحمي المختلف والاقليات والآخر بصفة عامة من هيمنة الأغلبية وقيمها التسلطية توظف لإهانة وتأليب الأغلبية عليها وحشرها في الزاوية. في حرب كانت غير معلنة لتصبح بعد مقتل المدرس الفرنسي معلنة وتستعمل فيها أقذر الأسلحة للحشد ضد المسلمين.

قضية شائكة تلك التي حركت هذه الأيام الرأي العام الفرنسي والعربي والإسلامي وحتى العالمي، لدرجة انه لم تقف تقريبا جهة لم تدل بدلوها في المسالة. قضية قتل الاستاذ الفرنسي من طرف شاب شيشاني مسلم على خلفية تدريسه لصور كاريكاتورية مسيئة لرسول الاسلام صلعم في إطار حصة عن حرية التعبير.

المسألة اتخذت بعدا دراميا بعد ان ضخمتها وسائل الاعلام والحكومة الفرنسية وبخاصة ماكرون ووزير داخليته جيرالد ديرمانان الذي حاول أن يوسع من دائرتها حتى تشمل ثقافة الاكل والطعام كرافد ثقافي غير مرغوب به.

الإسلام لم يعد حسب ماكرون يتمتع باي حصانة وكذلك معتنقوه، الاسلام صار مريضا ومن واجب ماكرون معالجته بإفراغه من محتواه ثم الاجهاز عليه، من خلال تحد سخيف يراهن عليه الرئيس الفرنسي بإجبار المسلمين على مشاهدة رسوم كاريكاتورية تغتال انسانيتهم يوميا عبر لافتات كبيرة في الشارع تعرض الصور التي انشأها عقل مريض تعادل في التاريخ القريب النجمة الصفراء التي يضعها اليهودي زمن النازية لتمييزه عن بقية مكونات المجتمع.

ما أراد من العالم ان يشاهده على انه تخلف للإسلام ودموية ما هو الا رد فعل نرجسي وشوفيني لشخص كان ينتظر ان يوسم بالمخلص وان يبهر مواطنيه عندما دفع لتحرير الرهينة الفرنسية صوفي التي “احرقت له الفيلم ” واضطرته ان يعود الى مكتبه دون ان يقرا خطابه المعد خصيصا للحديث عن وحشية الإسلام وضرورة شطبه من الحياة لأنه بربري حسب قوله.

صوفي اثبتت له العكس باعتناقها الإسلام وتغيير اسمها وتقديمها لصورة أخرى عن الإسلام يسعى الاعلام الفرنسي المأجور منه بطبيعة الحال وليس الشريف للترويج له وفرضه بعد عملية “ماتراكاج” للمتفرج والقارئ والمستمع..

جاءت حادثة القتل الاجرامية والمدانة لتعيد له الامل وكأنه ينتظر خيط نجاة ليقرا خطابه الذي احضره ومنعته صوفي من تلاوته، ليصب جام غضبه على الشعوب المسلمة التي افشلت له بعض خططه في ليبيا ومالي وفي بحر المتوسط. فشله في عديد المحطات لمعالجة الازمة الاقتصادية التي تعصف ببلده ولم يستطع عقله ان يجد لها من حلول الا بالعودة الى الرافد الأساسي الاستعماري ولمنع الشعوب المستعمرة نفسيا حتى من التفكير في مقاومة هيمنتها وابتزازها او التفكير في المطالبة بثرواتها. فشل ماكرون في تمرير سياساته لاستعمارية الانتهازية وتدخله السافر العسكري في عديد الدول الافريقية وغير المكشوف في دول شمال افريقيا.

لم تكن ردود افعاله الأخيرة لتحصل زمن الرؤساء الفرنسيين السابقين الذين يمتلكون من الحنكة ما لا يغرقهم في ردود فعل لها من الاضرار أكثر من الفوائد لتقسيم مجتمعه واذلال اقلياته وهذا ما جعل بعض المعلقين يرون فيها مؤشر لمخططات عدائية مستقبلية ما كان ليجرا على فعلها رئيس ليس لديه رؤية استشرافية.

الديمقراطية هي فن حماية الأقليات من هيمنة الأغلبية

في فرنسا الباب صار مفتوحا لاستخراج أسوا ما في هذه الاقليات ثم محاسبتهم بقوانين وتهم جاهزة على انهم إرهابيين، عندما تداس كرامتهم يوميا ويتعرضون الى الاذلال في الشوارع وفي مواقع العمل وعندما يمنعون قانونيا من التعبير عن ارادتهم وتعيين ممثلين لهم او اللجوء الى القضاء بحل الجمعيات التي تتحدث باسمهم، فعن أي حرية تفكير يتحدث؟ حرية الشخص او المجموعة تتوقف عندما تمس حرية الآخرين هذا ما تعلمناه من قيم الأنوار التي للأسف تحولت الى ظلمات زمن ماكرون.

وكعهدنا بالمثقفين الفرنسين انقسموا بدورهم إلى فئتين مثقفين عضويين ومثقفي السلطة، الأولى تدين الاستهداف الممنهج للمسلمين من خلال بالسخرية والشيطنة في وسائل الاعلام بعكس الأقليات الأخرى التي أوجدت قوانين خاصة لحمايتهم مثل اليهود وقوانين معاداة السامية والسود بقوانين ضد العنصرية.. وجهة اخرى لا ترى في المسلمين الا عدوا والتهويل من خطرهم الى حد ان تم استهداف مسلمات في الشارع من طرف مواطنين عاديين استجابوا للتحريض الذي يمارس عبر وسائل الاعلام كما حصل مع امرأتين محجبتين من أصل جزائري قرب برج ايفيل ونعتهما ب”العربية القذرة”..

البعض انبرى الى تفسير الخلفية الثقافية لفرنسا واعتبار كل الاديان والمقدسات تخضع لعامل حرية التعبير وأنها كلها يمكن ان تشملها السخرية والاستهزاء. بقطع النظر عن ردود الأفعال سنحاول التعرف على الخلفية الذهنية الفرنسية التي تبرر بها “العداء” تجاه الدين الاسلامي او الخلفية الدينية الإسلامية.

يفسر المثقفون الفرنسيون هذا الامر بظاهرتين هامتين ميزا ما عليه فرنسا واوروبا بصفة عامة هما نشأة الفكر العلمي وفلسفة الانوار من بداية القرن 16 الى القرن العشرين. وهو ما استغرق 4 قرون حتى يستقرا كرافد فكري في العالم الغربي خلالها تعرضت أوروبا الى العديد من المآسي واضطهاد ديني خصوصا للأقلية البروتسنتية واليهود في فرنسا والغرب عامة. وانه في خلال القرون الوسطى أي هرطقة أو شك في شخص بأنه مارق يمكن أن ينجر عنه المقصلة. هذا وان اتباع الديانات الاخرى كانوا يعانون أكثر من ذلك.

بعد الثورة الفرنسية أنشئت تشريعات لائكية من نهاية القرن 19 إلى بداية القرن العشرين سيمنعان الكاثوليكية، التي هي الديانة الغالبة في فرنسا، من فرض مفهومها للحقيقة وسلطتها في تعذيب وقتل الناس على خلفية التكفير او الاتهام بالمروق وفرض أن تتمتع كل الديانات بنفس الحقوق دون أن يهيمن أحدها على الفضاء العام، لأن هذا ما يفترض ان يكون مفهوم اللائكية.

وقد بني الفكر العلمي في الغرب على انقاض حربهم على الكنيسة والسلط الفكرية الكنسية لتحرير الفكر مما انجر عنه للوصول الى الاكتشافات العلمية التي تتمتع بها الانسانية اليوم. الكاثوليكية لم تسلم بسهولة عملت على استمرار هيمنتها على العقول والرقابة من اجل فرض عقليتها ووجهة نظرها التي اعتبرت رجعية خصوصا في قضايا المرأة. وقد كانت وسائل مثل النقد والانتقاد والسخرية والهرطقة وسائل للتحرر من الهيمنة الدينية. مما جعل الكنيسة الكاثوليكية تقبل بان تنتقد وتقبل بالسخرية والكاريكاتور وقبلت بالقوانين الديمقراطية.

يبقى العامل الأساسي الذي على المسلمين الوقوف عنده دون التنازل عنه هو الجمعيات الحقوقية التي تتمسك بحق ممارسة الشعائر أو الدفاع عن الهوية المختلفة في إطار تعدد الهويات دون أن تكون الهوية المسلمة لوحدها اداة للتصغير والحط من القيمة المواطنية.

المسلمون.. كبش فداء في أوروبا

عالم الاجتماع الفرنسي فنسون جيسير Vincent Geisser يقولها صراحة: اليوم، المسلم هو كبش الفداء لإخفاء إخفاقات الديموقراطية الغربية. المسلم ليس هو الضحية المذنب، وإنما هو الضحية الذي من الممكن التضحية به “لتبرير” مشاكل أوروبا الاقتصادية والاجتماعية.

وقد نشر بعض المثقفين الفرنسيين بيان في شكل لاءات ضد الحكومة لفضح سلوكها:

لا تتنازل للذين يمتلكون اليقينيات الكاذبة، ما من شأنه ان يمنعنا من أن نتأثر، وان نشك، من أن نتأثر عاطفيا ولا نستجيب لنواقيس الإنذار المنذرة بالحرب و “للحلول” التبسيطية والخطيرة.

لا تتنازل لأولئك الذين يريدون فرض الرواية بأن التفسير الوحيد للإرهاب هو الإرهابي نفسه، ومنعنا من التشكيك في النظام القمعي والعنصري العنيف الذي قد يقرر فيه شاب يبلغ من العمر 18 عاما ارتكاب مثل هذا العمل البغيض.

لا تتنازل لأولئك الذين يسلحون هؤلاء الشباب أيديولوجيا، وإقناعهم بأن عدوهم هو المعلم، والجار معتنق الدين غير الملائم او الصالح، والآخر ليس من البلد الصالح، والذين يدعون محاربة الانقسامات التي يفرضها الأقوياء مع استنساخها والمساعدة على تضخيمها، إلى حد الرعب.

لا تعطي أي شيء لأولئك الذين ابتهجوا سرا لتدنيس Conflans-Sainte-Honorine، سعداء لنشر كراهيتهم ورمي الملايين من المسلمين إلى المراعي في حين كان الرصيف لا يزال أحمر مع دم صموئيل باتي.

لا تعطي أي شيء للوطنية، التي تؤدي إلى الشوفينية، التي تؤدي إلى العنصرية، باسم ما يسمى “الاستثناء الفرنسي” و”نموذج المجتمع” الذي يجب أن ندافع عنه “نحن” في مواجهة “الآخر”، المختلف بالضرورة، والمتخلف بالضرورة، والأجنبي بالضرورة.

لا تستسلم لحكومة استبدادية وعنصرية، لا يضاهي انتهازيتها سوى النفاق المفضوح، الذي تحاول به ركوب العاطفة المشروعة التي أثارها القتل البغيض بشكل خاص لمعلم على بعد بضع مئات من الأمتار من كليته.

لا تعطي أي شيء لمن صمم على الاستفادة من مأساة يوم الجمعة الماضي لمزيد تقييد حقوقنا، لمهاجمة الحريات المدنية، التي يساء استخدامها بالفعل، ولتبرير أشكال جديدة من الرقابة باسم… حرية التعبير.

لا تعطي شيئا لرؤساء منافقين يريدون أن يجعلوا محاربة الإسلاموفوبيا: “لعب لعبة” الجهاديين، أو أن التظاهر جنبا إلى جنب مع CCIF  جمعية التجمع ضد الاسلاموفوبيا في فرنسا تسوية ونبذ للمثل التقدمية.

*صحافية تونسية

*الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر موقع “بوليتيكو تونس”.

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

None found

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *