الثلاثاء 20 أكتوبر 2020

ليبيا: الفرصة الضائعة بين تثوير السياسية وثورة القبيلة

تاريخ النشر : 28 نوفمبر 2018

ليبيا: الفرصة الضائعة بين تثوير السياسية وثورة القبيلة

بدر السلام الطرابلسي       redacteur-en-chef@politikotounes.tn
من غير المنتظر، حسب مؤشرات عدة، أن يحمل مؤتمر ايطاليا في طياته الجديد   الحاسم في المسألة الليبية التي تبدو بلا أفق ممكن للحل في السياق المحلي الراهن، بل هي أقرب إلى تأبيد الجمود السياسي السائد -بما يعنيه من استمرار الاقتتال والفوضى الأمنية – منها إلى الحل السياسي الدائم الممهور في الصخيرات في 2015.

المشكلة ليست وليدة اللحظة وإنما هي وليدة التاريخ. فالمجتمع الليبي لم يعش تجربة سياسية مدنية مؤسساتية حقيقية في عهد زعيمه الراحل معمر القذافي. فقد عرفت فترة حكمه انغلاقا على المجتمع المدني وإلغاءا للأحزاب لتحل محلها القبائل، وتهميش لمؤسسات الدولة الحديثة لتعوضها باللجان الشعبية فيما يشبه – حسب توصيف البعض – الديمقراطية المباشرة” ذات النزعة الكاريكاتورية. وهو التجلي الواضحللدولة الطبيعية القائمة على حق القوة.
الجغرافيا العريضة أيضا لها دور في توسع الأزمة السياسية الليبية، فمن العسير السيطرة على 1.76 مليون كيلومتر مربع مما يزيد من مشكلة عدم الاستقرار الأمني خاصة على الحدود مع دول الجوار العربي والافريقي، وتنامي تجارة المخدرات وتهريب الأسلحة والبشر..

طي صفحة التاريخ والجغرافيا يفتح أخطر صفحة في ملف الأزمة الليبية عنوانها العام والشامل والمختزل: الخلاف السياسي متعدد المستويات والأوجه. هنا تحديدا يُستخلَص جوهر الأزمة الليبية الملبّدة في طيات المحلي والإقليمي والدولي. وبناء على سيرورة هذا التعقيد السياسي تتداخل المسألة الأمنية والعسكرية والميليشياوية، وتتحرك بين الاتساع والضمور.

كما أن انحسار منسوب الثقة بين معسكر الشرق بطبرق )الحكومة المؤقته،البرلمان، عملية الكرامة ( ومعسكر الغرب بطرابلس )حكومة الوفاق،المؤتمر الوطني الجديد، مجلس الدولة الاستشاري وغرفة عمليات فجر ليبيا ( زاد في تباعد الالتزام باتفاق الصخيرات وصعّب الوصول إلى تسوية حول قانون الاستفتاء على الدستور ومن ثمة انجاز الانتخابات في 2019.

ولعل الاقتتال الأخير الذي اشتعل في العاصمة طرابلس بين ميليشيا اللواء السابع الزاحف من ترهونة جنوب العاصمة الليبية طرابلس وبين المليشيات المناطقية التي تشكل الحزام الأمني والعسكري للداخلية والدفاع في حكومة فايز السراج، مضاف إليها قوات فجر ليبيا، قلنا لعل هذا الاقتتال يعدّ الترجمة الواقعية لحالة الاحتقان والتنازع الوجودي أحيانا بين طرفي الصراع. وهو أمر لا يؤدي بالضرورة للاستقرار والحل السياسي المنشود بل يفتح الباب على سيناريوهات مخيفة تتراوح بين الانقلاب العسكري بقيادة الجنرال خليفة حفتر -وقد بانت ارهاصاته منذ عملية الكرامة وصولا للهجمة الأخيرة على طرابلس التي اتهم فيها اللواء السابع بخدمة أجندة حفتر -وبين التقسيم الفيدرالي المناطقي )طرابلس،طبرق، فزان .( القاسم المشترك بين هذه السيناريوهات العدمية هي الفوضى وخلط الأوراق، حيث يلعب العامل القبلي الاعتكافي فيها دورا مهما بعد عقود من تدمير الوعي السياسي والثقافة المدنية في حقبة الجماهيرية.

العامل المحلي -على خطورته – ليس سوى الشجرة التي تخفي غابة التدخلات الاقليمية والدولية التي تمسك بحنفية التمويل والتزويد بالسلاح والدعم بالمواقف الدبلوماسية الفعالة في الهيئات العربية والأممية لصالح طرف على حساب آخر.

ميادين الصراع الإماراتي القطري كما هو معلوم مبعثرة في أكثر من قطر عربي وأفريقي ومن بينها ليبيا، وانفراجة في العلاقات بين الدوحة وأبو ظبي ستعني الكثير لمسار الحل السياسي بين قطبي الرحى في الأزمة الليبية.


وتبقى كلمة السر في التنافس والخلاف الدولي حول ليبيا”حقل نالوت”. لقد توطدت العلاقات الدبلوماسي كثيرا بين ليبيا وإيطاليا في السنوات الأخيرة من حكم القذافي وبلغت أوجها عندما منحت ليبيا في 2007عقود ضخمة لشركة “إيني” لاستثمار حقول الغاز في منطقة “مليتا”،وهي نفس المنطقة التي يوجد فيه حقل نالوت النفطي الذي فازت شركة توتال الفرنسية بحق استغلاله سنة 2010 الأمر الذي أزعج الايطاليين فتراجعت ليبيا عن هذا العقد.
فرنسا دعمت خليفة حفتر على أمل مساعدتها في استعادة عقد احتكار استغلل حقل نالوت الذي يكفي حسب خبراء اقتصاديين احتياجات أوروبا من الغاز لمدة 30 سنة، ويثبت قدمها في شمال أفريقيا الشاسع، وهو مجال حيوي ومجال تنافس مع الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا.

وفي استتباع للتنافس الغربي على الكعكة الليبية، فإن للمجال الأوروبي اغراءاته كذلك بالنسبة لأمريكا صاحبة المرتبة الخامسة عالميا في احتياطي الغاز الطبيعي، والتي ترغب في تزويد الأوروبيين بالحصة الأكبر من المحروقات لتوفرها على مخزون كبير من الغاز الصخري المكتشف حديثا . وبالتالي فإن هيمنة فرنسا على حقل”مليتا” يعني منافسة مستقبلية شرسة حول من يحتكر تزويد أوروبا بالغاز، وهذا في حد ذاته عنوان جديد لتعطل مسار الحل السياسي في ليبيا.

الفيلسوف الفرنسي جوليان فروند Julien Freund يرى في كتابه “جوهر السياسة -L’essence du politque أنه “توجد في العالم ثورات سياسية ولا توجد ثورة في السياسي”. في ليبيا التثوير السياسي )المعسكر( أطاح بنظام الكتاب الأخضر دون  أن يزحزح الأنساق القبلية والمناطقية المركبة درجات نحو الأدنى المدني الكفيل   بإنضاج التسوية الدائمة.

إذا، فإن حالة التعقيد المعطلة لانفراجة الملف الليبي -في عمقها- محلية أنتروبولوجية بامتياز. كما أن ارتفاع منسوب الثقة بين اللاعبين الرئيسيين في الأزمة الليبية،    والتخلي الواعي عن أوهام “البلقنة” و”العسكرة”، والتثوير السياسي الذاتي، كفيلين باخراج التسوية من حالة الجمود العالقة فيها.
*نشر المقال بموقع رأي اليوم بتاريخ 5 أكتوبر 2018

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

None found

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *