الثلاثاء 20 أكتوبر 2020

لماذا هذا السقوط المدوي لمقترح حركة النهضة ببعث صندوق للزكاة؟

تاريخ النشر : 13 ديسمبر 2019

 مدار ميديا – بدر السلام الطرابلسي

عرف المشروع الذي تقدمت به حركة النهضة من أجل بعث صندوق وطني للزكاة فشلا ذريعا عند التصويت عليه تحت قبة البرلمان الجديد، خصوصا وهي الحزب الأغلبي، إذا لم يحصل سوى على 74 صوتا مقابل 93 صوتا ضد المشروع و17 صوتا متحفظا بقيمة الرفض.

 

والزكاة في الإسلام تعتبر ركن من أركان الإسلام لا يستقيم من دونها وفريضة على كل مسلم تأديتها كلما توفر النصاب لذلك.

 

إلا أننا لم نعثر في الأثر القرآني أو السنة النبوي عن أثر لما يسمى حديثا “صندوق الزكاة”، فحتى دولة الخلافة وما بعدها كانت تعتمد بيت مال المسلمين كخزينة للدولة تودع فيها أموال الزكاة والايرادات الإسلامية التي تدخل لخزينة الدولة من دون الضرائب والجباية.

 

هذا المشروع خلق جدلا واسعا داخل البرلمان وخارجه عبر منصات التواصل الاجتماعي والمنابر الإعلامية والاذاعية، وباستثناء قيادات النهضة وائتلاف الكرامة وقواعدهما المؤيدين لهذا الصندوق إلا أن باقي الأحزاب والنخب السياسية والفكرية اعترضت عليه من منطلقات مختلفة.

 

مواقع الاعتراض لم تأتي من الأحزاب الليبيرالية والمدنية الحداثية بل شملت أيضا أحزاب وقيادات إسلامية تونسية نذكر من بينها حزب الرحمة الإسلامي والشيخين السلفيين خميس الماجري والبشير بن حسين.

 

وقد مثل صندوق التضامن  / 2626 وما ارتبطت به من ملفات فساد واسع حجة صلبة لمعارضي اشراف الدولة على صناديق اقتصادية ذات أبعاد اجتماعية.

 

ميراث صندوق 26 / 26

 

طرح حركة النهضة للتصويت على صندوق الزكاة في البرلمان جعل التونسيين يستذكرون صندوق 26 / 26 الذي تأسس خلال العشرية الأولى من نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي الذي بعثه وقتها من أجل دعم المناطق الفقيرة والمهمشة أو ما كان يسمى بـ”مناطق الظل” وقتها، وقد كان يغذى من المساهمات الاجبارية التي يقطتعها النظام السابق من أجور العمال والموظفين وتقطتع أيضا لرجال الأعمال والتلاميذ والطلبة.

 

إلا أنه تحول في العشرية الأخيرة لحكم الرئيس المخلوع لمصدر للفساد من قبل عائلته والمحيطين بهم، وقد تم اثبات ذلك بالوثائق والدلائل التي كشف عنها بعد سنة 2011.

 

هذا ما جعل بعض الكتل البرلمانية والكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي ينفرون من صندوق الزكاة ويعارضونه لأنه يذكرهم بصندوق 26 / 26 وما حف به من فساد، إضافة لمسألة اشراف الدولة على الصندوق وهي غارقة في الفساد والمحسوبية ولا تخلو مؤسسة من مؤسساتها من الرشوة والمعاملات المالية المشبوهة وهو ما سينعكس حسب رأيهم على عمل هذا الصندوق مهما قيل عن شفافيته والرقابة على عمله.

 

بل ذهب البعض لاعتبار أن هذا الصندوق هو استنساخ لصندوق آخر سبق وأن طرحته النهضة لتعويض المعارضين والمواطنين المتضررين من النظام السابق وهو صندوق الكرامة والذي سيستفيد منه بالضرورة أنصارها.

 

وبالتالي هنالك تخوفات من أن يتحول هذا الصندوق كما سلفه 26 / 26 لدائرة فساد وتربح غير مشروع مثله مثل باقي المؤسسات الدولة التي مستها آفة الفساد والارتشاء والاستثراء غير المشروع.

 

استعادة صراع الهوية

 

إلى جانب السياق العام السياسي والاجتماعي الذي يتنزل فيها تقديم مبادرة صندوق الزكاة، وانتشار الفساد والمحسوبية والبيروقراطية في أجهزة الدولة، وغياب إرادة سياسية صادقة وجديّة للقضاء عليه، خصوصا من حزب حركة النهضة الذي تقدم بالمبادرة ووظّف هذا الملف لمساومة خصومه السياسيين، فإن توقيت طرحه يطرح العديد من التساؤلات خصوصا مع عجز رئيس الحكومة الجديد الحبيب الجملي عن تشكيل الحكومة وضعف موقف الحركة في البرلمان، وضعف الحزام الشعبي والبرلماني الذي يدعمها حيث رأى البعض أن طرح هذا المبادرة جاء ليغذي الصراع الهووي حول ماهية الدولة التونسية إسلامية أو علمانية مدنية رغم أن الدستور تضمن التوجهين.

 

معز بالحاج رحومة القيادي في الحركة في تصريح اعلامي قال بأن بعض النواب، يقصد خصومه الحداثيين، لديهم حساسية من هذا الموضوع في إشارة لكلمة الزكاة والتحميلة الإسلامية التي ترافقه، ما اعتبلا استفزاز بائن لخصومه من أجل جرهم للصراع الهووي الذي لا فائدة تذكر للبلاد منه ومن المفروض انه انتهى بعد انتخابات 2014.

 

موقف بالحاج رحومة ليس نشازا بل يتماهى مع موقف حزبه حيث انطلقت الصفحات الموالية للحركة في حملة شرسة على خصوم المشروع وصلت لحد تكفير رافضي هذه المبادرة والذين نجد من بينهم سعيد الجزيري رئيس حزب الرحمة الإسلامي الذي صوت ضد هذا المشروع معتبرا إياها مخالفا للمنظومة الإسلامية في استخلاص الزكاة.

 

ويرى الجزيري أن مأسسة مسألة الزكاة تكون من خلال دول إسلامية تعتمد منظومة مالية وسياسية مختلفة عما ما هو معمول به في بلادنا.

 

المنظومة التي يتحدث عنها الجزيري هي بيت مال المسلمين الذي يتم تمويله من أموال الخراج والزكاة وغيرها من مصادر التمويل الإسلامي في حين أن خزينة الدولة يتم تمويلها بالجباية والضرائب وهو ما يتناقض والمنظومة المالية الإسلامية، ولذلك صوت الجزيري ضد هذا القرار ما تسبب له بحملة شتم وسب على صفحات التواصل الاجتماعي التابعة لحركة النهضة.

 

الصراع الهووي الذي أرادت حركة النهضة جرّ خصومها إليه من أجل تعزيز موقعها لدى قواعدها والتغطية على فشلها في التوصل لاتفاق حول تشكيل الحكومة تعاملت معه الكتل المعارضة للمشروع بطريقة مختلفة لم تنجرّ فيها لخدعة الصراع الهووي حيث رأى رئيس كتلة التيار الديمقراطي غازي الشواشي، أن مشروع “صندوق الزكاة” حق أريد به باطل، وبأن كتلته تحفظت على هذا المقترح بعيدا عن أي منطق أيديولوجي.

 

وانتقد الشواشي في تصريحات صحافية طريقة وتوقيت تقديم النهضة هذا المقترح، وعدم توضيح آليات العمل به، ومصادر تمويله والإطار التشريعي المحدد له، مما يجعله محل شك وريبة، متهما حركة النهضة بممارسة “الشعبوية المقيتة” من خلال جر خصومها إلى معارك أيديولوجية كانت هي في السابق أبرز ضحاياها.

 

باختصار،

 

صندوق الزكاة الذي اقترحته كتلة حركة النهضة بالبرلمان، وإن كانت فيه العديد من المزايا المتمثلة في مساعدة المساكين والمحتاجين والأيتام والمعوقين والمناطق المهمشة ودعم المشاريع التنموية الخ، بانه سيكون  تحت اشراف وتسيير مؤسسات عمومية رقابية من بينها دائرة المحاسبات والهيئة العليا لمكافحة الفساد وممثلين عن دوائر حكومية ودينية، إلا أنه لم يحظى لحد الآن بموافقة غالبية النواب ولا دعم من المجتمع المدني ولم يحصل سبر آراء الشارع التونسي حوله، والأهم من هذا كله أنه لا يحظى بثقة التونسيين خصوصا بعد عمليات النهب التي تمت باسم الدولة للصناديق الاجتماعية وعلى رأسها صندوق 26 / 26 والذكريات السيئة للتونسيين معه.

 

 

 

 

 

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

None found

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *