الإثنين 03 أغسطس 2020

كيف تراجع اهتمام الشعوب العربية بالقضية الفلسطينية؟ (تحليل)

تاريخ النشر : 30 يناير 2020

بدر السلام الطرابلسي

لطالما مثلت القضية الفلسطينية لأجيال محور النضال العربي المشترك من أجل التحرر من قيود الاستعمار والاستبداد والفاشية والصهيونية. من المفيد التذكير في هذا السياق بمشاركة جيوش ووحدات مقاومة مسلحة عربية في معارك التحرر الوطني التي خاضها الفلسطينيون ضد العصابات الصهيونية وجيش الاحتلال الاسرائيلي وبلدانهم لا تزال تحت الاستعمار الانجليزي او الفرنسي او الايطالي.

 

بداية من حرب 48 إلى اليوم، سقط أكثر من 100 ألف شهيد من الفلسطينيين والعرب داخل الأراضي المحتلة وخارجها على يد الاحتلال الاسرائيلي دعما للمقاومة ودفاعا عن أرض فلسطين وعن المشتركات التاريخية والعقدية.

 

العديد من المحطات النضالية تشارك فيها الفلسطينيون والعرب في مقاومة المستعمر الاسرائيلي سواء على أرض فلسطين أو داخل الأراضي العربية المحتلة جنوب لبنان وفي هضبة الجولان والضفة الشرقية لنهر الأردن..

 

إلا أن سياقا جديدا لتحركات الشارع العربي حملته الثورات العربية باعد بين اهتمامات المواطن العربي المسكون بهاجس التغيير الديمقراطي وتركيز الإصلاحات الاقتصادية وحل المشكلات الاجتماعية في بلده وبين القضية الفلسطينية التي من المفترض أن تكون القضية المركزية لكل العرب لما لها من أبعاد إنسانية وحقوقية.

 

خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط أو ما يعرف ب”صفقة القرن” كانت لتملأ شوارع المدن العربية احتجاجات وصخبا ثوريا لو اقترحت مثلا في عقد الثمانينات أو التسعينات لما فيها من بنود تقضي على الحقوق الفلسطينية المشروعة، لعل أهمها حق العودة اللاجئين في الشتات (الديسبورا) وإزالة المستوطنات من الضفة الغربية والقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين والسيادة على غور الأردن وعلى حدود 1967.

 

على أرض الواقع لم نرى هذه الاحتجاجات ولم نسمع لها صخبا كما عهدناه في العقود السابقة.

 

فمالذي تغير في الشارع العربي من ناحية القضية الفلسطينية؟

 

ما قبل الربيع العربي

 

كلنا يذكر جيدا حرب حزيران / يونيو / جوان 1967 التي شاركت فيها الجيوش العربية (مصر، سوريا، الأردن، لبنان، العراق) في معركة استرداد الأرض المحتلة بدعم من باقي الدول العربية ومن بينها تونس.

 

وبالرغم من النكسة، فقد غذت حرب 67 روح المقاومة وكانت حافزا لها لتشارك في معارك أخرى من بينها حرب الاستنزاف التي استعادت بعدها مصر أغلب أرض سيناء بعد أن عبرت قناة السويس ودحرت الاسرائيليين إلى ما وراء خط برليف.

 

وبعدها جاءت الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987 –  1993) والثانية (2000 – 2005 ) ولم تفوت الشعوب العربية الفرصة لدعم نضال الفلسطينيين التحرري سواء من خلال مشاركة المقاومة المسلحة في معاركها ضد الصهاينة أو عبر الفاعليات الشعبية والاحتجاجات التي ملأت المدن العربية صخبا ثوريا مقاوما امتزج مع توقها للتحرر من الأنظمة الاستبدادية والفاشية التي كانت تحكمها في تلك الأوقات، والتي كانت عاجزة عن التصدي لجرائم الاحتلال الاسرائيلي في حق الفلسطينيين أو حتى تقديم الدعم اللوجستي والمادي للمقاومة، بل إن بعض تلك الأنظمة العاجزة كانت تخشى أحيانا حتى إصدار بيان تنديد.

 

 

ما بعد الربيع العربي 

 

ربما أهم شيء خسرته القضية الفلسطينية من موجة ما اصطلح على تسميته بـ”الربيع العربي”، الذي لم يزهر للأسف في كل البلدان التي عرفت ثورات وانتفاضات، هو مناصرتها ودعمها بنفس الحماس والتضحيات والمنسوب النضالي الذي عرفته قبل اندلاع هذه الثورات وانتشارها على أغلب مساحة الجغرافيا العربية.

 

الموقف المتغير للفعاليات الشعبية العربية كان صداما، لكن توجد له تفسيرات ومسببات وسياقات معينة. القضية الفلسطينية لم تخرج من قلوب الشعوب العربية لكنها لم تعد متقدة داخلهم كما كانت في السابق.

 

الأسباب متعددة ومتداخلة، لكن ربما يمكن حصرها في النقاط التالية.

 

التطبيع  الدبلوماسي: نلاحظه خصوصا في تبادل الزيارات والوفود الدبلوماسية والاقتصادية على اعلى مستوى بين دولة الاحتلال الإسرائيلي وبين بعض الأنظمة العربية والخليجية التي لا تجمعها معاهدات سلام مع إسرائيل مثلما هو الحال مع مصر والأردن ولكنها تتصرف على خلاف ما هو متفق عليها داخل جامعة الدول العربية برفض التطبيع مع إسرائيل إلا بعد قبول الأخيرة المبادرة العربية للسلام لعام 2002، التي تؤكد على أنه “لا تطبيع إلا بعد قيام الدولة الفلسطينية”.

 

بعض الدول العربية لم ترى حرجا في القفز فوق قرارات الجامعة العربية والهرولة نحو ربط علاقات صداقة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، نذكر من بينها قطر التي زار وزير خارجيتها الأسبق الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني تل أبيب عام 2001 التقى خلالها رئيس الوزراء الإسرائيلي اريل شارون ووزير الخارجية شيمون بيريز، قبل أن تعود قطر للتقارب مع حزب الله وتعلن دعمها لحركة المقاومة الإسلامية حماس.

 

وفي ديسمبر / كانون الثاني 2018 قال وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، إن “الكثير من الدول العربية تختار التطبيع مع إسرائيل قبل حل القضية الفلسطينية.. لا نرى أن التطبيع الكامل مع إسرائيل سيحدث فرقا”.

 

العراق الذي كان حاضنة للمقاومة الفلسطينية وأكبر داعم لها حصل هو الآخر على نصيبه من التطبيع إذ أعلنت الخارجية الإسرائيلية في جانفي – يناير 2019 أن ثلاثة وفود من العراق “زارت تل أبيب في 2018 وضمت 15 شخصا، هم شخصيات سنية وشيعية وزعماء محليون، وقد اجتمعوا مع مسؤولين إسرائيليين وأكاديميين”. وصدر لاحقا نفي لتلك الزيارات من بعض الشخصيات السياسية العراقية، فيما طالبت لجنة برلمانية بالتحقيق في الأمر..

 

 

البحرين كذلك لها نصيب من تطبيع العلاقات مع إسرائيل في 26 نوفمبر – تشرين الثاني 2018 ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن وزير الاقتصاد الإسرائيلي إيلي كوهين، تلقى دعوة رسمية لزيارة البحرين منتصف أفريل / نيسان 2019، للمشاركة في مؤتمر بالمنامة حول دول “الستارت أب” (المشاريع الناشئة والريادية) في مجال التكنولوجيا والابتكار، الذي ينظمه البنك الدولي بمشاركة 170 دولة.

 

إسرائيل لها علاقات جدية كذلك مع سلطنة عمان وقد، طرح وزير النقل الإسرائيلي يسرائيل كاتس، خلال مشاركته في مؤتمر بمسقط عن النقل الدولي، على دول الخليج ودول عربية أخرى، مشروع سكك حديد يحمل اسم “سكة حديد السلام”، يربط دول الخليج بإسرائيل مرورا بالأردن.

 

 

علاقات التطبيع طالت دول عربية أخرى من بينها المغرب التي شاركت في مؤتمر البحرين  حول السلام الاقتصادي والذي حضر فيها جيرارد كوشنار مستشار الرئيس الأمريكي وعراب صفقة القرن لنقاش خطة الرئيس الأمريكي ترامب للسلام في الشرق الأوسط (صفقة القرن).

 

تونس وبالرغم من اغلاقها مكتب الاتصال مع إسرائيل سنة 2000 غداة انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية إلا أنها تغض الطرف على زيارات بعض الفنانين التونسيين لإسرائيل واحياء حفلات وسهرات فنية في الأراضي المحتلة ولجمهور إسرائيلي!

 

التطبيع الإعلامي: التطبيع الإعلامي لا يقف عند تعامل صحافيين ومؤسسات إعلامية فلسطينية او عربية مع الاعلام الإسرائيلي والمؤسسات الحكومية الإسرائيلية ولا يقف عند المشاركة المتواترة لشخصيات إسرائيلية في وسائل اعلام عربية مثل قناة الجزيرة وغيرها أو في مشاركة وسائل اعلام إسرائيلية في مؤتمر البحرين للسلام سنة 2019، بل تجاوزه لطريقة أخرى يتبعها بعض الإعلاميين العرب ومن بينهم برهان بسيس الإعلامي التونسي من المدافعين عن نظام بن علي، والإعلامي السوري فيصل القاسم المعارض لنظام الأسد، ربما عن وعي أو غير وعي، وتقوم على التسفيه والتشكيك في الشعارات التي ترفعها بعض الأنظمة والشخصيات العربية لتجريم  الصهيونية والتطبيع مع الاحتلال الاسرائيل على أساس انها مجرد شعارات يوظفونها لتحقيق مآرب سياسية ولا تنفع مواطنيهم في شيء وليست من أولويات سياساتهم الداخلية، وبغض النظر إن كان الموقف من هذه الأنظمة سليما أو مبالغ فيها، إلا ان له ما له من كسر تلك الحماسة الفياضة التي تكنها الجماهير العربية للقضية الفلسطينية.

 

والجميع يذكر كيف استشاط فيصل القاسم غضبا وأرغد وأزبد عندما جرّم قيس سعيد التطبيع واعتبره خيانة عظمى في حملته الانتخابية وعند القائه لخطاب القسم، حيث نشر الإعلامي السوري تدوينة وقتها جاء فيها “نصيحة للرئيس التونسي الجديد: خفف من غلوائك القومجية والوطنجية السافرة..وابتعد عن التصريحات الشعبوية وتعلم من بتوع الشعارات الفارغة الذين سبقوك…”. وأضاف “ حاول أن توفر للشعب التونسي أساسيات الحياة المطلوبة وقم بتحسين وضعه الاقتصادي قبل أن تناطح الصهيونية والامبريالية وتطالب بتحرير فلسطين”..

 

 

وليست تلك المرة الأولى التي يهاجم فيها فيصل القاسم مسؤولين عرب يرفعون شعار معاداة الصهيونية وتجريم التطبيع دعما للمقاومة الفلسطينية فقد سبق وأن تهجم في أكثر من مناسبة على النظام السوري في هذه المسألة بالذات. وسواء كان صادقا في موقفه أو يخفي وراءه غايات أخرى فإن من شأن هكذا مواقف من شخصيات مؤثرة في المشهد الإعلامي العربي أن تثبط عزائم الشارع العربي المتعاطف مع القضية الفلسطينية.

 

التطبيع الرياضي: تُمثل مشاركة وفود رياضية عربية في منافسات داخل الأراضي المحتلة أو استقبال وفود رياضية إسرائيلية داخل البلدان العربية شكلا آخر من أشكال التطبيع الرياضي، حيث ساهمت أيضا في إعطاء مقبولية معينة للكيان الإسرائيلي لدى الشعوب العربية.

 

 

ففي سنة 2018 شارك وفد إسرائيلي في بطولة رياضية مدرسية في قطر ولك تكن المرة الاولى التي يحضر فيها رياضيون اسرائيليون حدثا دوليا في الدوحة.

 

وفي سنة 2017 شارك فريق رياضي إسرائيلي في بطولة غراند سلام للجودو التي انطلقت في أبو ظبي عاصمة الإمارات العربية المتحدة.

 

ويشارك هذه الأيام في تونس رياضي إسرائيلي دخل البلاد بجواز سفر فرنسي للمشاركة في مسابقة دولية للتنس. وما عدى التنديد على الانترنات واحتجاج بعض الناشطين تمر المشاركة بشكل طبيعي دون قرار من جامعة التنيس بتونس لإيقافه.

 

خلاصة

القضية الفلسطينية تفقد بريقها يوم بعد اليوم بسبب هرولة بعض الأنظمة العربية نحو التطبيع وتسخيرها لإعلامها وأموال البترودولار لإنجاح هذه الخطة واضعاف أي معارضة شعبية للتطبيع، ما يعني توجه هذه الأنظمة نحو عقد اتفاقات سلام فردية مع الإسرائيليين قبل امضاء الاحتلال الإسرائيلي على اتفاقية سلام تضمن قيام دولة فلسطينية على حدود 67 وعاصمتها القدس وهو توجه خطير يقضي على آمال الفلسطينين بقيام دولتهم بعد تخلي العرب عنهم.

 

المعضلة ان الشعوب العربية في جزء هام منها تتبع أنظمتها وتقبل بقرارتها في المسالة الفلسطينية التي من المفروض انها قرارات مصيرية وتتطلب تشريك ممثلين عن مختلف الفئات الشعبية والمجتمع المدني للخروج بموقف موحد منها.

 

كل ذلك يؤثر في معنويات الجماهير العربية المتعاطفة مع القضية الفلسطينية، والتعاطف في هذا السياق ليس من منطلق عروبي قومي بقدر ما هو تعاطف حقوقي انساني لشعب يسلب الاحتلال منه أرضه كل يوم دون أن يجد القدرة على إيقافه واخراجه من جغرافيته المشتعلة.

 

كما أن انشغال الشعوب العربية بإنجاح ثوراتها المحلية وتعثر تحقيق أهدافها وغرقها في مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية كان له تأثير كبير على الموقف الشعبي العربي من دعم القضية الفلسطينية ووضعها على سلم الأولويات كقضية تحرر مركزية وكجزء لا يتجزأ من تحرر المنطقة العربية برمتها من الاستبداد والقمع والاحتلال الداخلي لأنظمتها.

 

 

 

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *