الإثنين 03 أغسطس 2020

أسئلة صعبة: هل تغير كورونا من نظرتنا لأنفسنا وللعالم؟

تاريخ النشر : 19 مارس 2020

بدر السلام الطرابلسي

قبل التوغل في المقال، سوف نبدأ بمسلمة تاريخية. فقد عرفت البشرية على مر العصور أوبئة فتاكة أتت على الملايين من البشر قبل ظهور وباء الكورونا بعدة قرون (الطاعون، الحمى الاسبانية، الملاريا…). لكن وجه الاختلاف بين وباء العصر الحالي وأوبئة العصور الغابرة هو التطور التكنولوجي والعلمي والمختبري الذي وصلت له الإنسانية في زماننا الحاضر ولم يكن موجودا في العصور الماضية. مما يجعل من مواجهة هذا الوباء المستجد أفضل معمليا ومخبريا من مواجهته في الأزمنة الماضية.

 

ولكن، بالرغم من كل هذا التطور العلمي الذي وصل له البشر والخطوات الجبارة التي خطتها الإنسانية في مجال التطبيب والصحة وعلم الأدوية إلا أنها لا تزال تخسر الآلاف من البشر نتيجة فيروس غير مرئي ينتقل عبر العدوى التي لا يمكن التحكم فيها في كل الأحوال مهما التزم البشر بإرشادات الأطباء وخبراء الصحة والتعقيم.

 

عدو لا مرئي، خبيث. لا يمكن حصره في الحيز الزماني والمكاني الراهن، ولا يمكن قطعا التنبؤ له بنهاية زمنية محددة خاصة وأن اللقاحات والأدوية لا تزال في فترة التجربة والاختبار.

 

الإنسانية في حالة حرب حقيقية مع هذا الوباء. وهي في صراع مع الزمن لتوفير اللقاح الناجع قبل فصل الخريف القادم حيث يرجح العلماء عودته ثانية، وربما بشكل مختلف أو متطور عن الفيروس الحالي مثلما حصل مع فيروس السارس.

 

المختبرات في الدولة الكبيرة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وفرنسا تتنافس في سباق مع الزمن من اجل إيجاد لقاح مناسب أو دواء قادر على علاج فيروس آفيد – 19. منافسة قديمة لمن تكون له الريادة في اكتشاف الدواء المناسب للأوبئة والأمراض المستعصية. الجديد هذه المرة أن المنافسة شفافة، وتقدم نتائجها للإعلام أولا بأول، ولا يتم التكتم عن أسرارها مثلما يحصل في السابق.

 

المئات يموتون يوميا في إيطاليا وإيران، وعدوى انتشار الفيروس لا تزال في ارتفاع. كل يوم نفيق على أرقام مفزعة عمن يموتون ويمرضون أغلبهم لا يصل إليه العلاج ويموت وحيدا ويدفن وحيدا. لا أهل لا أقارب لا أصدقاء. لا أحد بإمكانه الاقتراب والتعبير عما يختلج في دواخله من لوعة وحزن وتعاطف على مرض صديق أو وفاة قريب أو حبيب. في إيطاليا، يودعون جثث أحبائهم من الشرفات وهي في طريقها للمحرقة.

 

لأول مرة يقف انسان عصر الهندسة الرقمية حائرا، قلقا، مهموما، عاجزا أمام عدو غير مرئي لم ينفع معه لا غلق الحدود ولا العزل الذاتي ولا الجماعي. حتى تكنولوجيا النانو والهندسة البيولوجية والميكاترونيات والروبوتيك وكل ما توصل اليه البشر في مختلف ميادين العلم والتكنولوجيا لم ينقذوا هذا “الانسان الأخير”، لحد اللحظة، من مصيره المرعب.

 

حرب غير متكافئة أخرجت أسوأ ما في البشر وأفضل ما فيه. إيطاليا تطلب المساعدة من جيرانها الأوروبيين ولا تجدها، حتى بمنطق التضامن الدبلوماسي داخل دول الاتحاد الأوروبي لا يجوز صدها. وتأتيها المساعدة من حيث لا تدري: الصين بؤرة انتشار الفيروس في العالم.

 

الخوف يمكن اشتمامه في وجوه الناس في كلامهم في تفكيرهم في انتظارتهم. ترقب وجس من مستقبل غير مضمون. خيبات الأمل مرتسمة في كل ركن من العالم الموبوء في الخارج، والإحباط يملأ قلوب الكثير من البشر.

 

أهكذا تكون النهاية؟ هل نحن في مأمن منها؟ هل سنكون موجودين في عالم ما بعد “الرجل الأخير”؟ وإذا وجدنا هل سيرافقنا أحبتنا أم سنفقدهم في منتصف الطريق؟ كيف سيكون العالم ما بعد الكورونا؟ هل سيعود البشر لاستغلالهم العبثي لبعضهم البعض ولأمهم الطبيعة؟ هل سيواصلون في استنفاذ موارد الطبيعة لصنع مجدهم الصناعي ودفع الاحتباس الحراري إلى أقصاه؟ أم أن العالم ما بعد الوباء سيكون صديقا للبيئة وأكثر تضامنا وانسانية؟

 

مالذي يجعل هذا “الانسان الأخير” في تهديد وجودي دوري من أوبئة لا يقدر على اباداتها بالرغم مما له من ثروة وتكنولوجيا وجيوش ونووي ..؟ هل هي أنانيته مع بيئته الطبيعية؟ هل هي لعنة استباقية من الأجيال التي ستعمر الأرض بعده؟

 

أسئلة برسم الزخم الهادر داخل ذواتاتنا ونحن نواجه تبعات عبث جزء منا بالكوكب الوحيد الذي يتقبلنا. عبث قاد البعض منا لنمط غذائي غير مبرر ولا يحترم الطبيعة ولا الحياة البرية فيها.

 

العلماء يقولون أن انتشار الفيروس بقدر ما يخلف من ضحايا ومرضى بقدر ما يقوي مناعة الانسان ويحصنها في المستقبل من هذا الوباء عندما يعود في الخريف القادم. لكن الأهم من مسألة الحصانة الجسدية و بعيدا عن “مناعة القطيع” Herd Immunity ، هل سيحصننا هذا الوباء ضد جشعنا الغرائزي الذي تجاوز كل حد لنعي بأن مصيرنا المنقذ هو العقلانية في العلم والفلسفة والثقافة والمعرفة المُؤنسنة؟

 

*الصورة مأخوذة من الانترنات
Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *