الثلاثاء 09 أغسطس 2022

  قيس سعيّد يطرح أجندته السياسية منفردا…ماذا يريد حقيقة؟

تاريخ النشر : 14 ديسمبر 2021

بدر السلام الطرابلسي

لم يحلّ الرئيس قيس سعيّد المجلس الأعلى للقضاء كما توعّد، ولم يحلّ البرلمان مثلما كان منتظرا، ولم يبطل العمل بالدستور كما هدّد بذلك، ولكنه اتخذ قرارات حاسمة طال انتظارها في علاقة بقضية إنجاز حوار وطني حول مجمل المسائل التي يريد تغييرها وعلى رأسها الدستور والنظام السياسي والقانون الانتخابي.

 

قيس سعيد لم يلتفت لمطالب النهضة وحلفائها بعودة البرلمان للنشاط وإرساء المحكمة الدستورية وتنظيم حوار وطني يشمل كل المسائل السياسية والاقتصادية ، ولم يتجاوب مع طلبات المجتمع المدني والأحزاب والمنظمات الداعمة لقرارات 25 جويلية وعلى رأسهم حزبي التيار الديمقراطي وحركة الشعب، ولا حتى أدنى تفاعل مع مقترحات الاتحاد العام التونسي للشغل وعلى رأسها قبول وساطة اتحاد الشغل لتنظيم الحوار الوطني، بل إنه ذهب مباشرة لهدفه دون المرور بالوساطات والمفاوضات “العبثيّة” وعقد التسويات والصفقات، لا بل سخر من إعلان الأمين العام لاتحاد الشغل عن خيار الطريق الثالث ليعلن عن قراراته بصراحة ودون مواربة ولا قفازات.

 

وبالرغم من أنه رقمها إلى حدود ثمانية قرارات إلا أنه في الحقيقة لم يتخذ سوى قرارين اثنين أحدهما يتعلق بتنظيم استفتاء يوم 25 جويلية 2022 حول مخرجات الاستشارة الوطنية التي ستبدأ في شهر جانفي وتنتهي في شهر مارس، والقرار الآخر هو انجاز انتخابات تشريعية في 17 ديسمبر 2022 بناء على نتائج الاستفتاء والدستور والقانون الانتخابي الجديدين.

 

هذا الهروب إلى الأمام لن يكون مفروشا بالورود والتقدم فيه مرتبط بموازين القوى بين الرئيس وخصومه من مجموعات المعارضة غير المتجانسة. لكن الأهم من العامل السياسي هو العامل الاقتصادي، فلئن كان الرئيس محمي سياسيا بالسلطات التنفيذية والتشريعية الواسعة التي تضم لصلاحياته الدستورية كرئيس دولة، بالإضافة للسلطات الأمنية والعسكرية، إلا أن ورقة الاقتصاد تطغى على كل هذه الأوراق لأنها ببساطة العمود الفقري الذي تقوم عليه مؤسسات الدولة.

 

من الضروري في هذا السياق ذكر بعض المعطيات الإحصائية أهمها زمنيا هو الميزانية التكميلية المستحقه لسنة 2021 و تقدر قيمتها بــ2.6 مليار دينار وميزانية العام القادم 2022 التي لن تستقيم لا هي ولا الميزانية التكميلية دون قروض تسند للدولة التونسية من صندوق النقد الدولي أو البنك العالمي. وهي الورقة التي يمسكها عليه خصومه من حركة النهضة وراشد الغنوشي تحديدا الذي قام بتحركات دبلوماسية متسارعة مؤخرا للقاء سفراء دول أوروبية مثل فرنسا وإيطاليا وحثها على ربط القروض والمساعدات المالية لبلادنا بقبول قيس سعيّد الحوار مع المعارضة وعودة البرلمان المجمد للنشاط.

 

وقد أصدر سفراء دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان بيانا قبل ثلاثة أيام دعوا فيه قيس سعيّد لوضع سقف زمني للإجراءات الاستثنائية، ومؤسسة تشريعية تشتغل حتى يتمكنوا من دعم بلادنا ماليا واستثماريا ومساعدتنا على الحصول على قروض خارجية.

 

ولئن حدّد قيس سعيّد سقفا زمنيا للقرارات التي أعلنها في خطاب يوم أمس إلا أنه رفض قطعيا وبشكل بات إشراك أي طرف سياسي أو نقابي أو حقوقي في مسار 25 جويلية الذي اعترف بأنه خطّه بنفسه دون اقتراح من أحد، ولا عودة البرلمان للعمل بل مواصلة تجميده إلى حين تنظيم انتخابات جديد في 17 ديسمبر 2022.

 

وهو وبذلك يقطع شعرة معاوية مع المعارضة واتحاد الشغل والمجتمع المدني باستعادة المبادرة والشرعية التي فقدها كل طرف منهم بطريقة معينة سواء عبر تجميد البرلمان ونزع الحصانة عن النواب أو عبر رفض مبادرة اتحاد الشغل للحوار الوطني التي كان المكتب التنفيذي للمنظمة الشغيلة يعوّل عليها كثيرا لكسب مشروعية وطنية تعزز موقعه في معاركه التي يخوضها سواء مع نقابة التعليم الثانوي وخصوصا كاتبها العام لسعد اليعقوبي أو في علاقة بمعضلة الفصل 20 من قانون المنظمة الداخلي بعدما أصدرت  المحكمة الابتدائية بتونس في 25 نوفمبر 2021، حكما يقضي  ببطلان المؤتمر الاستثنائي الذي عقده اتحاد الشغل في جويلية الماضي، وهو ما يعني بطلان نتائج المؤتمر التي كان من بينها التصويت لصالح الفصل 20 الذي يسمح لأعضاء المكتب التنفيذي الحالي الترشح لمؤتمرات الاتحاد دون سقف زمني أو عدد معين من الفترات النيابية كما هو الحال قبل التصويت على هذا الفصل.

 

لا يمكن التنبؤ بأي مرفأ سترسو سفينة الرئيس قيس سعيد، بالرغم من طرح أجندته، ولا طبيعة القرارات الغامضة التي يصدح بها بين الفينة والأخرى، وهو أمر عليه شبه إجماع من حلفائه أو داعميه السياسيين الحاليين والسابقين قبل خصومه ومعارضيه.

 

لكن الثابت أن الأزمة الاقتصادية والمالية باقية وتتمدد، ولن يفي قرض الــ300 مليون دولار (ما يقارب 900 مليون دينار) الذي وعدت الجزائر تقديمه لبلادنا بكامل استحقاقات الميزانية التكميلية لسنة 2021 ويبقى الغموض يلف قانون المالية لسنة 2022، خاصة مع اشتراطات المانحين الدوليين السياسية وتراجع ميزان التبادل التجاري وارتفاع نسبة التضخم الاقتصادي التي وصلت إلى 6.4%.

 

 

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *