الأحد 23 يناير 2022

قيس سعيد يطرح استفتاء شعبي برؤية بطرياركية (رأي)        

تاريخ النشر : 23 ديسمبر 2021

بـدر الـسلام الـطـرابـلـسي

 

“The road to hell is paved with good intentions”

 Dante Alighieri

يسعى الرئيس قيس سعيد لإجراء استشارة شعبية حول الإصلاحات السياسية التي ينوي تنفيذها عبر تكنولوجيا الإنترنات أو ما يصفه بالاستفتاء الالكتروني دون أن يميز في خطابه الذي ألقاه في 22 سبتمبر عند التطرق لهذه النقطة بين المنصات الاجتماعية والتطبيقة الكفيلة بإجراء هذا الاستفتاء. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هذه الأيام: هل بمقدور التكنولوجيا الرقمية في تونس أن تكون على قدر هذا الحدث السياسي الأبرز منذ صياغة دستور سنة 2014 ؟ وهل يوجد إجماع وطني أو على أقل تقدير تشريك للمجتمع المدني والمجتمع السياسي في صياغة هذا المشروع ؟

 

المشروع أثار حيرة الجميع من حيث الشكل والمضمون ودفع بالعديد من المهتمين بالسياسة في تونس إلى توجيه انتقادات كبيرة لبرنامج الرئيس. وسواء كانت الانتقادات بخلفيات انتهازية أو سياسوية بحته لإعادة التموقع والانتشار في الخارطة السياسية الجديدة التي دشنها سعيد في 25 جويلية، أم كان للنقد دوافع مبدئية ودفاعا عن الديمقراطية المهددة بقرارات الرئيس المتصلبّة وتفرده بالرأي، فإن هنالك خشية حقيقية من الالتفاف على المكاسب الديمقراطية التي تحققت خلال العشرية الأخيرة –على عواهنها- وذهاب الرئيس في هذه الاستشارة منفردا، وإنجاز الاستفتاء المقرر في 25 جويلية بلجنة سكتارية لا تخضع لمقاييس سوى من يحملون جواز Pass الرئيس.

 

دعنا بداية نفكك القاعدة الفنية التي سيقوم عليها مشروع الاستشارة / الاستفتاء الإلكتروني، فحسب ما هو متوفر من معلومات فإن خبراء وزارة تكنولوجيا الاتصال سينجزون التطبيقة الإلكترونية وفق استمارات سبر آراء شبيهة بتلك التي تعتمدها وكالات سبر الآراء (سيغما كونسيا، إيمرود…) وظيفتها طرح أسئلة في قالب افتراضي وتقديم إجابات افتراضية على هذه الأسئلة باختيارين أو ثلاثة أو ربما أكثر حسب طبيعة المسألة التي يطرحها السؤال، على سبيل المثال هل أنت مع النظام الرئاسي أو النيابي؟ أو هل أنت مع الديمقراطية القاعدية أو النيابية؟ أو ما هو النظام السياسي الأمثل: النظام المركزي أم النظام اللامركزي أو الحكم المحلي؟…إلخ من الافتراضات التي تضع المشارك في الاستشارة بين اختيارين أحدهما مجرب وحصيلته سلبية والآخر غير مجرب ومدعوم من قبل الرئيس وتمت الدعاية له  خلال حملته التفسيرية.

 

هذه الاستشارة الإلكترونية تعترضها عدة تحديات أولها جودة الخدمات التقنية في بلادنا والبنية التحتية للإدارة الالكترونية التي لطالما اشتكى منها التونسيون بسبب البيروقراطية الإدارية التي تلاحق حتى الإجراءات الالكترونية على الانترنات، من ذلك مثلا تجربة المعرف الوحيد التي تم اعتمادها في عدد من الوزارات مثل الصناديق الاجتماعية ووزرات الشؤون الاجتماعية والداخلية، فقد تم ضبطها بطريقة تجعلك في ارتباط دائم بالإدارة التي تشترط عليك أحيانا وثيقة إضافية أو ترخيص أو أي مستند يخرق الأسس والغايات التي تقوم عليها المعاملة الالكترونية على النات.

 

ثم إن الإدارة الالكترونية في تونس، في الوقت الراهن غير محصنة من الاختراقات، وقد لاحظ الجميع مؤخرا الفوضى العارمة التي حصلت أمام الإدارات والشركات ومقرات العمل بسبب فشل موقع evax الذي أحدثته وزارة الصحة في اصدار جوازات التلقيح عبر الانترنات.

 

وعلى الرغم من أن وزارة الصحة تعللت بوجود ضغط كبير على المنظومة الالكترونية ايفاكس وصل إلى 13 ألف طلب في الثانية الواحدة، مما تسبب في تعطّل خدمة استخراج جواز التلقيح للمواطنين، إلا أن خبراء في تكنولوجيات الانترنات يرجعون المشكلة لأسباب فنية مسؤولة عليها إدارة الإعلامية في وزارة الصحة من ذلك المساحة المحجوزة على خادم الانترنات غير كافية للتعامل مع الحركية الكبيرة للمستخدمين، إضافة لوجود شبهات اختراقات لمنصّة إيفاكس الالكترونية والتلاعب بمنظومة التلقيح وإسناد جوازات التلقيح لغير مستحقيها.

 

الهشاشة التقنية لمنظومة ايفاكس وسهولة اختراقها في ظل لامبالاة وزارتي الصحة ووزارة تكنولوجيات الاتصال يحيلنا على السياق العام الذي ستجري فيه الاستشارة الالكترونية التي أعلن عنها سعيد في أكثر من مرة بثقة من يملك منظومة الكترونية متقدمة وقادرة على الاستجابة للاستحقاقات الكبرى التي ينوي تنظيمها.

 

وعلى الرغم من أن الاستفتاء  / الاستشارة  المتعلقة بتعديل الدستور أو تغييره لن تقتصر على الوسائل الافتراضية وأنه سيتم الاتصال المباشرة في المعتمديات مع المواطنين لاستجلاء آراءهم حول مشروعه السياسي الجديد، إلا أن المسألة لا تقتصر على القالب فقط بل إن مضمون الاستفتاء لا يوجد حوله إجماع أو حتى رأي أغلبي إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن صياغة دستور جديد وقوانين انتخابية جديدة تدخل في إطار التعاقد الاجتماعي وهو أمر يتطلب إجماعا وطنيا أقله احترام رأي الأقلية، فما بالك إذ كانت أغلبية المجتمع السياسي والمدني غير قابله مثلا بتغيير النظام النيابي لنظام قاعدي مجالسي بالإضافة لوجود انقسام حول اعتماد النظام الرئاسي أسلوبا في الحكم.

 

هنالك نزعة واضحة للتفرد بالحكم من الرئيس قيس سعيد بدأت خصوصا مع المرسوم 117 ويبدو أنها لن تنتهي مع أجندة تغيير النظام السياسي في 2022 ، إذا أصبح هنالك قلق ملحوظ لدى المجتمع الحقوقي من الحد من الحريات والحقوق خصوصا حرية التعبير والرأي عبر سجن الصحفيين والمدونين وإحالتهم على المحاكم العسكرية والمدنية بتهم تتعلق بـ”التطاول على رئيس الجمهورية” و”الثلب” و”تهديد أمن الدولة الخارجي” وهي سوابق لم نشهد لها مثيل خلال عقد من الثورة خصوصا تلك المتعلقة بحرية التعبير والصحافة.

 

هنالك بطريركية وتصلّب واضح في السلوك السياسي للرئيس تجعله يتفرد بالرأي من زاوية معرفته بمصلحة البلاد ونظامها السياسي الأمثل أفضل من الجميع من خلال توظيف الصيت السياسي السيء والفساد الذي يلاحق الأحزاب السياسية التي تداولت على الحكم بعد 14 جانفي، والغضب الشعبي الذي يلاحق المنظومة السياسية التي جاءت بعد الثورة، دون الأخذ بعين الاعتبار وجود مجتمع مدني قوي ومتقدم مقارنة بمنظومة الأحزاب، وشباب ناهض ومثقف لم تعط له الفرصة ليعبر عن نفسه ويقدم رؤيته ومقترحاته للنهوض بالبلاد من كبوتها على خلاف الــ “جثث في حالة وفاة” و”المسامير الصدئة” التي هيمنت الحكم على امتداد عقد من الزمن وعلى المعارضة على امتداد خمسة عقود ولا تزال تحاول التموقع.

 

 

 

 

 

 

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *