الإثنين 03 أغسطس 2020

في أخطار “الشعبوية” على مستقبل بلد بحاله .. لسعد اليعقوبي غير مقصود (تعليق)

تاريخ النشر : 19 ديسمبر 2018

في أخطار “الشعبوية” على مستقبل بلد بحاله .. لسعد اليعقوبي غير مقصود (تعليق)

بقلم أيمن الزمالي*

الاهداء الى الزميلة المصورة الصحفية أميرة هويملي الرزقي

عندما تقرأ، مقاربات الباحث السياسي يان فيرنر مولر، حول “الشعبوية”، فانك تتأكد يقينا، من أن نقابة الصحفيين التونسيين، لم تجانب  الصواب،  في تشبيهها للاعتداء الحاصل من الأساتذة المحتجين صباح اليوم على عدد من الصحفيين،  بأعمال العنف وحملات التحريض التي شنّتها روابط حماية الثّورة ضدّه سنة 2012 من حيث استعمالها لنفس الشعارات ولطابعها العنيف المتغلغل في”الشعبوية”.

فأحيانا، تكمن المفارقة ، في كون أن “مجموعة” أو قطاع عاما ،  يدافعون عن قضية عادلة ، غير أن المشكلة تكمن في من يقودون تلك المجموعة أو ذلك الحزب أو القطاع. فيؤجل الانتصار ويختلط الحق بالباطل، وتلطخ القضية بسلوكات من فيهم خلل. وهو حال بعض القطاعات الكبرى في البلاد، وغيرها من هياكل حزبية ومؤسسات ، تدافع، نظريا،  عن قضايا كبيرة وثورية وعادلة ، إلا أنها انحدرت الى “السياسيوية” و”النقابوية” والتصعيد المجاني المتواصل وخاصة “الشعبوية” .

ففكرة المجموعة أو الشعب أو القطاع ، عند “الشعبويين”، (غير مقصود هنا لسعد اليعقوبي فقط)،  فكرة أخلاقية أساساً، بحيث يصبح النزاع السياسي أو المطلبي نزاعاً أخلاقياً بين الخير والشر،بين الحق والباطل، ولا يعود خلافاً بين آراء مختلفة ومتباينة.

“فالخلاف عند الشعبوي هو خلاف أخلاقي، خلاف بين الشعب أو القطاع  النقي والطاهر والنخبة الفاسدة والمخادعة والخائنة”. فعندما تخالف ارائهم ومواقفهم،  فإنها ترى في ذلك خداعاً للشعب أوالقطاع، و تزويراً لإرادته  إلا إذا التقىمع فكرة الحركة الشعبوية لهذا القطاع أو تلك المجموعة، بما يحمل ذلك من عداء قد  يتطور الى  العنف ضد كل من يخالف “الشعبويين” الرأي.

ولأننا نعيش زمن “الشعبوية” بامتياز، التي سرت عدواها كالنار في الهشيم في بلادنا، فلم تترك مجالا ولا قطاعا إلا ونخرته وأصابته بترهل، كل ومدى مناعته وقدرته. حتى لا نظلم اليعقوبي ومن لف لفه و شابهه. يكفي أن نتذكر ، مداولات البرلمان التونسي، مثلا،  حتى نتمثل، ما نشره الكاردينال دي ريتز في مذكراته، وهو يصف سلوك البرلمان الباريسي إبان الثورة الفرنسية ، عندما قال “ان العديد من الأشخاص الذين كانوا يشكّلون الهيئات كانوا، على الرغم من ثقافتهم ومكانتهم العالية، يتصرفون دوماً كالرعاع أثناء المداولات العمومية والأنشطة المشتركة”، بمعنى كانت تتحكم فيهم تمثلاتُ وأهواءُ الشعب فيتحولون الى “شعبويين”.

أما في يوميات الأحزاب والمؤسسات السياسية في تونس، أصبح الميل الى احتكار تمثيل الشعب والحديث الحصري باسمه، عنوانا لجزء واسع من النخبة ومؤسسات الدولة السياسية. فعندما ينتصر ويهيمن سياسي ما في محطة معينة،  فإنه يعتبر ذلك انتصارا لإرادة الشعب. ولكن يتحول الشعب إلى مخدوع ومنوم ، زُوّرت ارادته بمجرد أن يفشل نفس السياسي في  استحقاق سياسي آخر.

ولأن الفكر العقلاني المدعوم بالحجة، خطر على مرض  “الشعبوية” وهيمنتها على شعب بأسره، فقد تحول كل وسطي معتدل ، مثقف ناقد، الى خطر يجب مهاجمته وازاحته ، لتظل مدجنة القطاع أو الشعب حكرا على “الشعبويين” دون غيرهم .

وعندما يطغى مبدأ حصرية التمثيل، وتتحول ثقافة مُعوّمَة، في أي مجال أو قطاع،   فتفرض وحدة وتماهياً للشعب أو القطاع قسريا،  وتلفظ أي مختلف كان،  هنا فقط تدوي صفارات الانذار، لأنها تهديد مباشر للديمقراطية.

وعندما تضيق الصدور ، أمام  التباين والاختلاف، وتُذيّل العقول والحجة ، مقابل الصراخ ورفع الشعارات الرنانة والخشبية ، فان هذا يعتبر عودة الى الوراء. عودة سريعة الى نظام يصور النزاع على أنه يكمن،  بين شعب وخونة، وهذا خطر “الشعبوية” و”الشعبويين”على الديمقراطية الناشئة التونسية .

*اعلامي وكاتب صحافي

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

None found

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *