الإثنين 03 أغسطس 2020

هل صدق فوكوياما؟ قراءة في نظرية “نهاية التاريخ”

تاريخ النشر : 8 يوليو 2020

بدر السلام الطرابلسي

لم يكن فرانسيس فوكوياما لينتصر لفكرة نهاية تاريخ مؤسسات الرغبة ومؤسسات الروح بالمعنى الهيغلي للمصطلح لو لم يجد الظرف الموضوعي ملائما لتتويج العامل الذاتي المؤسس لإطلاقيّة نظرية الليبرالية في الاقتصاد (الرأسمالية، السوق الحر) والليبرالية في السياسة (حريات عامة وشخصية، ديمقراطية انتخابية، حقوق انسان..) عبر التاريخ المادّي والثوري للمجتمعات الطبيعية منذ ذكرى الانسان الأول العاقل (Homo Sapien) المتمرد بطبعه على بيولوجيته البدائية المتأخرة مرورا بالمُلك الوراثي وحكم الأمراء والأرستقراطيين، وصولا للرأسمالية والاشتراكية والصراع الذي امتد على ما يقارب القرن (القرن العشرين) بين المذهبين، حيث جاء الحسم النهائي لليبرالية بحسب استنتاجات فوكاياما الذي خلقت أفكاره الجديدة / القديمة زوبعة فكرية وسياسية وأكاديمية عالمية لم يجف حبر التعليقات عليها لحد كاتبة هذه المقالة.

 

دافع الأكاديمي الأمريكي المختص في الاقتصاد السياسي والمتفقّه في فلسفة التاريخ على رؤية وفهم فلسفي لنظريات سياسية من خلال شروحات معاصرة أو لنقل “ما بعد حداثية” لأفكار سبقه إليها جورج فيلهلم فريدريش هيغل Hegel وإيمانويل كانط والكسندر كوجيف حول أصل كل تغيير في المجتمعات السياسية الطبيعية وصولا للمجتمعات المدنية التعاقدية.

 

وقد كانت الرغبة في اشباع رغبات الانسان الغريزية والبيولوجية والرغبة المتحمسة في الاعتراف بالمجد الروحي الذاتي وبالكرامة الشخصية من قبل الآخر والآخرين حسب السياقات سواء كانت في الأنظمة القبلية أو الأرستقراطية أو الملكية الوراثية أو حتى اليمينية القومية والفاشية ، محرّكا  لصراعات تاريخية دامية ولكنها محفزا في ذات الوقت للذكاء البشري الذي طوره العبيد خلال دهور من علاقات عمودية سيئة مع الأسياد لأجل التخلص التاريخي اللاّمقصود من وضعية عدم الاعتراف والنقص الداخلي في هذه العلاقات اللامتساوية. وليكون معوله في حربه المصيرية والأخيرة من أجل المساواة النهائية. العبيد الذين تحولوا فيما بعد لبورجوازية وعمال أشعلت أفكار نخبتهم المستنيرة في القرن 18 الثورات السياسية في كل أرجاء أوروبا، أعقبتها الثورات الصناعية التي صنعت مجد الانسان الأوروبي في القرن 19 الذي تبلورت فيه فكرة الليبرالية السياسية والرأسمالية الاقتصادية.

 

كان واضحا بالنسبة للغرب (أوروبا الغربية، والولايات المتحدة)، وخاصة للمنظرين السياسيين الأنغلوساكسونيين، أن التاريخ، مثلما شرحه فوكوياما اعتمادا على فلسفة هيغل، يتجه بشكل خطي، لا دائري، ولا حتى عبر- مراحلي وفق الفهم الخلدوني للتطور العمري للمجتمعات البشرية.

 

هذا الاتجاه لا تراجع فيه ولا تنافس حوله. ولقد عمق تطور التقنية والتكنولوجيا والعلوم الطبيعية بنتائج وخلاصات ملموسة وغير ثابته في الزمان والمكان، (عمّق) أرجحية هذه النظرة الأحادية للتاريخ بحسب مؤلّف كاتب “نهاية التاريخ والانسان الأخيرة” الذي تأثر كثيرا بفلسفة هيغل حول الحرية والمساواة التي تختم مسيرة الانسان الكفاحية عبر التاريخ من أجل الاعتراف، لتُدخله في مرحلة ما بعد التاريخ المؤسساتي للبشر، عبر مراحل دولته المتعاقبة بدءا بالدولة القبليّة والملكية الوراثية والأرستقراطية التي كانت تعتمد الاعتراف الأحادي وفق علاقة السيد بالعبد وصولا للاعتراف الشمولي المتساوي في الحقوق والحريات.

 

لقد كانت التكنولوجيا أحد المحركات الرئيسية في مسيرة تقدم “الانسان الأخيرة”، حسب فوكوياما، والآلية التي خدمت فكرة ازدهار الرأسمالية وتوسعها عالميا من خلال الدفع لخلق بنى تحتية ملائمة لهذه الفكرة الاقتصادية الجديدة سواء عبر السياسية الكولونيالية (القرن 19 وبداية القرن العشرين) أو السياسة المعولمة (القرن العشرين خلال الحرب الباردة).

 

كانت نتائج التوسع الرأسمالي خلال القرن العشرين وخصوصا في الستينات والسبعينات تبشر بانتصار مؤجل للرأسمالية خصوصا مع تراكم الثروات وظهور ما كان يعرف باقتصاد الوفرة والتحسن الملحوظ للطبقة الوسطى والعاملة. لكن المفاجأة الحقيقية والتي ربما لم يكن حتى فوكياما نفسه يتوقعها في أفضل أحلامه هي سقوط جدار برلين وانهيار المنظومة السوفياتية. وربما هذا ما دفع مؤلف مقالة نهاية التاريخ التي نشرها في مجلة The National Interest    سنة 1989 يعود من جديد لنفس فكرة المقال ليطورها ويحولها لكتاب يحمل نفس الاسم سنة 1992.

 

الشيوعية التي لم تقدر حسب المفكر الأمريكي المختص في الاقتصاد السياسي على الصمود أمام الأيديولوجيا الليبرالية التي نهلت معها من نفس المعين الفلسفي الذي يعتبر أن المجتمعات المعترف بأفرادها بشكل شمولي ومتساوي من خلال تعاقد سياسي اجتماعي اقتصادي هي التي تحقق في النهاية أهداف التاريخ بالفعل (التاريخ كمعنى مؤسسي جدلي متوثب لا بالمعنى السردي للأحداث والأخبار..) الا كلا الايديولوجيتين –الليبرالية بمعناها الكلاسيكي والشيوعية- اعتبرتا أنهما توصلا للنهاية المحتومة لإنسان العصر الحديث  ليدخل مرحلة الرفاه والراحة والمساوة الحقيقية كل حسب تصوره لنظام الطبقات الاجتماعية. فكارل ماركس مثلا يعتبر أن الشيوعية هي آخر مراحل الرأسمالية وهي المجتمع المثالي الذي تنتفي فيه الدولة ويعيش فيه العمال في سلام بلا صراع طبقي ويقدر كل انسان ، بعد فترة عمله الضروري، أن يكون شاعرا أو ناقد أو صيادا..

 

الا أن انهيارا الدولة السوفياتية دفع الكثير من المنظرين الليبراليين وخاصة فوكوياما لازدراء الشيوعية واعتبارها فكرة مثالية لمجتمع مثالي غير قابلة للحياة، حيث تصورها كترجمة ماركسية محدودة لفلسفة هيغل عن نهاية التاريخ السياسي الخطي، بل هي حسب المفكر الأمريكي تحمل معول هدمها على ظهرها حينما تقمع حرية الفرد الشخصية من أجل الانعتاق الجماعي وحقه الطبيعي في الامتلاك والتعبير عن ذاته بلا قوالب مسبقة تسجنه في اطارها. كما انها والمعنى دائما يعود لفوكوياما تقتل في الانسان رغبته الروحية في الاعتراف والكرامة والاعتزاز بالنفس والاندفاع وراء المغامرة.

 

الأزمات التي عرفها المعسكر القومي الاشتراكي توسعت واشتدت في نهاية الثمانينات وحتى أواسط التسعينات بداية بانهيار جدار برلين وتوحيد الألمانيتين وانتفاضة الطلبة في ساحة تيانان مين في الصين سنة 1989 وتفكك جمهورية يوغسلافيا الاتحادية الاشتراكية وانسحاب الاتحاد السوفياتي من أفغانستان.  وكانت نتائجها تصب في صالح نظرية فوكوياما المطورة عن رؤية هيغل الفلسفية حول الاتجاه الخطي المتصاعد للتاريخ المادي والأنثروبولوجي للبشرية وانتشار الليبرالية في أجزاء هامة من العالم على اعتبارها نظرية نقية لا تحمل تناقضات رئيسية في طياتها يمكن لها أن تهدد وجودها وتعود بالتاريخ لنقطة الصفر، أو تسلم المشعل لمؤسسات سياسية قومية أو سلطوية أو دكتاتورية إطلاقيه  تحكم من خلالها دول تختلف بالضرورة معها حضاريا وهوويا، وبخلفيات أيديولوجية ومذهبية ودينية أثّرت على حداثتها الوطنية وعلى صياغة رؤيتها للعالم وللحكم محليا وإقليميا.

 

إلا أن بداية الألفية الجديدة تضمنت احتمالات جديدة لتعرجات منتظرة للمسار الخطي للتاريخ سجلتها أحداث كبرى في المنطقة العربية وشرق آسيا، فالبرغم من انهيار النظام البعثي في العراق وسقوط طالبان في أفغانستان إلا أن الولايات المتحدة لم تقدر على التأسيس لنموذج ديمقراطي ليبرالي حداثي في هذه المناطق من العالم. كما أن روسيا لم تواصل على خطى غورباتشيف ويلتسين نحو الانفتاح الديمقراطي وتوظيف المبادئ الليبرالية في بناء روسيا الجديدة فقد عادت القيصرية والنزعة القومية بوضوح في السياسة الروسية الخارجية. كما أن المؤسسات الديمقراطية والانتخابية لم تعد تعمل كما كان يراد لها ذلك، والتعددية تحولت لوعاء شكلي للممارسات سياسية أوتوقراطية.

 

غير أن الحدث الأبرز الذي يكتفي لوحده بزرع بذور الشك في أسس نظرية فوكوياما حول نهاية التاريخ كان بالتحديد صعود التنين الصيني مع عودة تعدد الأقطاب في العالم بعد أن كان العالم يتميز بالأحادية القطبية الأمريكية خلال حقبة التسعينات. لا بل إن الصين كدولة أوتوقراطية تسلطية تحولت لمنافس ندّي لأمريكا على مستوى النفوذ الاقتصادي العالمي وكل المؤشرات تخدم فكرة انتزاعها الهيمنة الدولية من الولايات المتحدة في العقود القادمة اذا واصلت على نفس مستوى الاقتصادي، مع العلم أن الصين تخلت عن رؤيتها الماوية الخطية للاقتصاد منذ الإصلاحات الاقتصادية التي اتبعتها في نهاية السبعينات وخلال حقبة الثمانينات بقيادة ديانغ شياو بينغ وانفتاحها على العالم عبر اعتماد سياسة الخصخصة واقتصاد السوق الاشتراكي الذي تحول تدريجيا لاقتصاد رأسمالي تشرف عليه وتخطط لجزء منه الدولة.

 

صعود الصين وإن تحقق بفضل الانفتاح والتقنية اللذان يعتبران رافدان رئيسيان للدولة الغربية الحديثة، بحسب فوكوياما، إلا أن هذه الآلية لم تطبق محليا حسب منوال السردية الميكانيكية لفوكوياما حول قيام الدولة الحديثة التي نشأت على مبدأ الاعتراف المتبادل والشمولي بلا أية استثناءات أو امتيازات قبلية كانت أو أرستوقراطية، في إطار تعاقدي يعترف بكرامة الناس واعتزازهم بأنفسهم بشكل متساوي، وبحاجتهم لإشباع رغباتهم (الأمن الاجتماعي والجسدي، السكن، الطعام..). بل إن الحضور العميق للمبادئ الكونفوشيوسية في تقدير قيمة العمل وطريقة الحكم التي تقوم على تقديم مصلحة المجموعة على حساب حرية الفرد والرفاه العام بدل الرفاه الفردي فتح نقاشا جديدا حول المسار الذي يسير نحوه خط التاريخ.. هل يتخذ منوالا آخر للتقدم أو يتجه بشكل دائري ليعود لنقطة الانطلاق “المحرمة” حول الصراع الأزلي من أجل الاعتراف والهيمنة؟ وأي الأنظمة السياسية التعاقدية أقرب لاعتراف الشعوب ولخلق منظومة عالمية أقرب للمبادئ الكانطية وتكون خارج الفوضى التي يسيّر بها العالم؟ وهل سيكون استعادة المثال الكيسنجري حول تعدد الأقطاب الدولية مناسبا في هذا الظرف من التنافس الدولي حول الهيمنات الإقليمية والمناطقية؟

 

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *