الإثنين 03 أغسطس 2020

“صفقة”: مسرحية فرنكو-تونسيّة تكشف عن صراع مثنوي بين ذوات متكسرة

تاريخ النشر : 2 فبراير 2020

بدر السلام الطرابلسي

عند الحديث عن الصفقة، تتسرب لأذهننا مباشرة تلك المعاملة التجارية، أو السياسية أحيانا، التي تختزل في عملية بيع وشراء و تبادل مصالح وأحيانا مقايضة وهيمنة. “صفقة” المخرجان غازي الزغباني وسيبستيان أمبلار لم تكن شبيه بتلك التي نعرفها، ربما في الشكل أما المضمون فيحتمل آلاف التأويلات المتشابكة.

 

نتحدث هنا عن عمل فني مقتبس عن نص مسرحي لبرنار ماري كولتيس بعنوان “في عزلة حقول القطن” تتراءى فيه الصفقة كــ” معاملة تجارية تتعلق بالقيم المحظورة أو الخاضعة للرقابة الصارمة ، والتي يتم إبرامها ، في مسافات محايدة وغير محددة ، ولا يتم توفيرها لهذا الغرض ، بين مقدمي الخدمات والمتسولين ، بموجب اتفاق ضمني أو علامات تقليدية أو محادثة مزدوجة من أجل التحايل على مخاطر الخيانة والاحتيال التي تنطوي عليها مثل هذه العملية..”.

 

جدل ذهني غريزي يشرّح فيه بطلا المسرحية، على مساحة الركح أفقيا وعموديا وبمختلف أبعاد الصورة المسرحية، علامات وقيم قديمة قدم التقاليد ومتجددة بحتمية أصولها الإنسانية والثقافية والغريزية. هذا الحفر في عمق المبادلة الجدلية بين البائع الذي يرغب في اكتناه رغبات الشاري والمتسول الثائر غير المشبع بعروض التاجر يكشف عن عمق التابوهات الاجتماعية التي تتحول حسب السياق الدرامي لتابوهات معرفية أفاضت في تحليلها الباحثة ايزابيل ستينغر في مدار معرفي لا مجال للإفراط فيه أكثر في هذه السردية الفنية.

 

صخب يعلو وينخفض في نقاشات متوازية بين الشخصيتين المحوريتين في المسرحية. اندفاع لا يتوقف للدبلوماسية والعنف. دبلوماسية تبحث عن افتعال الصراع على مختلف الواجهات الثقافية والوجودية والحيوانية الغرائزية، وعنف يريد استفراغ الرغبات المشبعه وغير المشبعه  من أجل السطوة والهيمنة دون جدوى. لأن الموت هو الرغبة الوحيدة التي لم يقرها التاجر والمشتري على حد سواء. البقاء للأقوى عملة حاضرة في تفاصيل النص المسرحي لكن لا رغبة لدى الشخصيتين للحسم فيها.

 

تشابك نباح الكلاب وأصوات القطط وصفارت سيارات الشرطة في خلفية المكان المهجور الذي التجأ له طرفا الصفقة لإتمام صفقتهم لم يتوقف عن متابعة حوار شخصيات المسرحية، بل وجدنا فيه كذلك تبادل للمواقع مع “الديلر” وزبونه في صراع الهيمنة على احتكار الرغبات والمتجارة فيها بل وفرضها بالعنف وبكل ما توفره أساليب الخداع والتظليل من أسلحة ووسائل لتحقيق الغاية.

 

نسق المؤثرات الصوتية والموسيقية لم يكن ليكتمل لو لم يكن مقترنا بباقي عناصر التصميم السينوغرافي لهذا العمل المسرحي وبتكامل مع الديكور والملابس وفكرة المسرحية..

 

فكرة المسرحية التي أتت بنص درامي ثري بالأفكار والفلسفة التي تناقش قضايا وجودية ومصيرية غير منبتة عن الواقع الاجتماعي، بسردية درامية بعيد عن متناول القراءة الفنية التسطيحية التي تسلخ النص الدرامي دون أن تستخلص منه معاني الايحاءات والرموز في المنطوق الركحي الذي لا تنتهي تأويلاته بانتهاء المسرحية، التي تبث فيك رغبة عنيدة لعدم الاكتفاء بعرضها الأول.

 

 

 

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *