السبت 08 أغسطس 2020

شهر من المسرح: رمضان كان مختلف هذه السنة في التياترو

تاريخ النشر : 14 نوفمبر 2019

بوليتيكو تونس، ثقافة، مسرح

عندما دعا المسرحي القدير توفيق الجبالي، في أحد منشوراته على موقع “الفايسبوك” إلى زيارة التياترو في رمضان، كفضاء للنص الدرامي والعرض المسرحي المختلف، لم نكن متأكدين بعد من الأطباق المقدمة في هذا الشهر حتى استقبلنا عرض “الفرح واتانا” من اخراج وليد العياري.

 

مسرحية “الفرحة واتانا”

زهونا مع زهو شخصياته وانكسرنا مع انكساراتها. حلمنا بأحلامهم وانتكسنا لانتكاساتهم. عمّ “الفرح” وملأ القاعة ضجيجه. سرديّة تقليدية نابعه من مسامّ فلكلور الأفراح التونسي، تحكي تناقضاته وتظهر هشاشة بنية السعادة المنشودة منه.

 

النص الدرامي للفرح لم يقتصر على شخوص الزوجين والعائلات المتصاهرة. هنالك ابراز لشخوص أخرى عادة ما يتم تجاهلها في هذه المناسبات بالرغم من انها حمّالة لقصص ومشاعر وتطلعات واحلام وتناقضات داخلية وهواجس نفسية تكمل قصة الاحتفال بليلة العمر. تضمين ذكي ممن أخرج وتصور وشارك في كتابة هذا العمل الدرامي.

 

أعمال أخرى أثثت أمسيات التياترو في شهر رمضان 2019 لعل أهمها عرض “ثلاثين وأنا حاير فيك ” للفنان الكبير توفيق الجبالي.

 

مسرحية “ثلاثين وأنا حاير فيك”

 

مسرحية متحركه كالماء متغيرة كالحياة. لا تعتقد في النص المغلق والنهائي. كأي كائن حي تراكمت عبر عقود من الفعل المسرحي، واستلهمت مقتطفات أعمال أخرى سابقة وتحيّنت مع كل طارئ سياسي جديد يمر بالبلاد التونسية.

 

أداتها السخرية من الواقع والأنا والآخرين والساسة والسادة و”المادة”، وسبيلها التفاني في إخراج العرض بشكل يبهر مشاهديه ويدخلهم في عالم مواز 2.0 مستلهم من سابقه ومختلف في تخريجه وتصوره.

 

ثلاثين وأن حاير فيك.. قصة التياترو المَخبَري الذي اجترح الدراما والميلودراما بالأقنعه البيضاء والسوداء دون هوادة عبر عشرات الشخصيات الفنية المخبرية التي اختزنت تناقضات الواقع وألاعيب “المسيرين الكبار” ونزوات “المستطيعون على كل شيء”..

 

بعضها أظهره النص الدرامي، عبر قراءة أولى عابرة تسطيحية، في مأزق أخلاقي في الوقت الذي يستجلب فيه، نفس هذا البعض، بورنوغرافيا السياسية الماثلة أمام الجمهور منذ عقد من “الثورة” الناقصة..

 

شخصيات جردت وخدشت وعرّت وسخرت..اختزلت هذا اللفيف من الدراما الثورية لتفجره على خشبة المسرح وتواجهنا بأقنعتنا الأخرى التي سولت لنا أنفسنا التفريط فيها لمن خدعنا مرات ولا يزال..

 

البعض يراها  كوميديا ساخرة لا تنقصها السوداوية  والبعض يعتبرها حمالة أوجه ومغرقة في واقعيتها..واقعية مُخرجه برومانسية المسرحي التجريبي الذي لا يعرف الفن عنده أية حدود ساجنة..

 

الجبالي يعتبر المسرح سيرورة يعلّمنا كيفية تحويل العنف إلى جمال والاحباط إلى فعل إيجابي..

 

نصوص المسرحية نتفق معها أحيانا وربما نختلف في جزء منها..ما يبقى راسخا ومدهشا هو الأسلوب الفني في صياغة المشاهد وتوزيع الممثلين واختيار الديكور والأضواء ..

 

والكلام يطول فيها..

 

من المسرحيات الأخرى التي عرضت في فضاء التياترو خلال رمضان نجد مسرحية “حامل الهوى تعب” للمخرج المسرحي نوفل عزارة..

 

مسرحية “حامل الهوى تعب”

 

النص المسرحي لهذا العرض اتجه خلال سيرورة بنائه الدرامي،  للانتصار لقيم الحب والعاطفة الجامحه، التي تقوده في خروج عن قيود الأنظمة والأعراف والتقاليد والخرافات الاجتماعية..

 

المسرحية رحله في قصص العشّاق وانكسارتهم وتمادي “الغير” عليهم بصفر ثقافة حب..

 

القيم الدرامية في محتوى الحوارات التي جمّعت الشخصيات وقابلت بينها جسّدت السبب الرئيسي للتلاقي العابر والرئيسي بينهم..مرورا بمشهد التكشفات الروحية والصوفية الموضوعة خارج الخط “التبشيري” الكلاسيكي لترانيم الحب التبريزّية..

 

الخط الجدلي الرابط بين قصصهن وتصوراتهن ورومنسياتهن، خط أبيقوري نوعا ما، يستجدي اللذة بما تعنيه من قيم جمال وخير وسمو في قطيعه مع الألم وشروره المتوارثة..

 

تساؤلات تشكك  في ما تراكم على منظومات البشرية منذ عشرات القرون عن الحب وأسسه وقوالبه وطبيعه الروابط الناظمة لأطرافه ..

 

تساؤلات شبيهة بتلك التي يطرحها كل مواكب لايبستمولوجيا العلوم والدين والثقافة وكل منتوج حضاري انساني ما قبل حداثي..

 

هل هي نوع من الايبستمولوجيا الفنية للمنظومات الجاهزة للحب؟ هل ذهبنا بعيدا في تقييمنا لهذا العمل؟

 

أسئلة مشروعه ولكنها غير نهائية يخرج بها الكثيرون ممن حضروا لمسرحيات التياترو..

 

تعارف..

 

مسرحيات أخرى حفل بها فضاء التياترو خلال شهر رمضان فيها من التنوع والجدة في الطرح ما يسيل الكثير من الحبر.. عسى أن نعود إليها لاحقا لأن المجال لا يسمح في هذا المقال..

 

نذكر من بينها “تعارف” Carnage التي تروي قصة خلاف بين عائلتين بسبب اعتداء على أحد أطفال هتين العائلتين من قبل طفل العائلة المقابلة، فيخلق تعارفا في بداية الأمر بين العائلتين ليتصاعد لتوتر واحتكاك يؤدي لما يشبه “المجزرة” العائلية بالمعنى الرمزي الخيالي. وهذا هو سبب استعمال كلمة Carnage في العنوان التي تعني فيما تعنيه المجزرة وهي تكملة للكلمة العربية في العنوان “تعارف”…

 

رحلة درامية انسانية في نص المسرحية بين السلم والحرب ..بين التعرف والتصارع..بين التحابب والتخاصم..

 

ما ميزها الأداء الرائع للممثليين في المسرحية والطاقة الإبداعية الكبيرة التي تناوبو على اظهارها عند لعب أدوار شخصيات مسرحية “تعارف”..

 

في كلمة..

 

يبقى فضاء التياترو مَخبرا للإنتاج المسرحي الغزير والنوعي رغم قلة الدعم التي طالما اشتكى منها مسيروه إلى حد أن وصل لتخفيض وزارة الثقافة من اعتماداتها المخصصة لهذه الفضاءات الثقافية.

بدر السلام الطرابلسي

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *