الثلاثاء 20 أكتوبر 2020

سيناريوهات التدخل العسكري التركي المحتمل في ليبيا وأهدافه الاستراتيجية  

تاريخ النشر : 28 ديسمبر 2019

 

بدر السلام الطرابلسي

أثار التصعيد العسكري التركي الأخير في ليبيا جدلا دبلوماسيا واسعا حول مدى تأثيره على مصير عملية السلام المعطلة أساسا في ليبيا. هذا التصعيد الذي جاء كتكملة لخطة مسبقة للتدخل في ليبيا بدأت بإبرام اتفاق أمني بحري بين أنقرة وطرابلس، وتلتها دعوة السراج تركيا لإرسال جنود والتدخل عسكريا لحمايته من غريمه خليفة حفتر، أنتج تقييمات مختلفة حول سيناريوهات التدخل العسكري التركي في ليبيا وحدوده.

 

مما لا شك فيه أن الحرب الإعلامية التي تخوضها انقرة بضراوة ضد خليفة حفتر وقواته وحلفائه الاقليميين والغربيين المعارضين للتدخل التركي في ليبيا، تدخل في سياق خطة اتصالية شاملة للتمهيد للتدخل العسكري الفعلي لأنقرة في العاصمة الليبية طرابلس استجابة لطلب حكومة السراج ومن ورائها اخوان ليبيا لإرسال جنود وعتاد عسكري لمساعدتهم على صد هجوم المشير خليفة حفتر.

 

غابة المصالح التركية في ليبيا

 

دعوة السراج لأنقرة من أجل التدخل لصالح حكومته في طرابلس ليس إلا الشجرة التي تخفي غابة المصالح التركية الاقتصادية والاستراتيجية في ليبيا والمتوسط.

 

إذ لم يعد يخفى على أحد حقيقة الاتفاق البحري الذي عقده أردوغان مع السراج وما يعنية من تمكين تركيا من التنقيب على الغاز المكتشف حديثا في شرق منطقة حوض المتوسط عبر السماح للقوات البحرية التركية بالتوغل في الحدود البحرية التي تربط بين الدولتين، وإعطاء الرخصة لشركاتها النفطية للتنقيب عن البترول في هذه المنطقة الحساسة والتي لم يتم لحد الآن الحسم في حقول الغاز المكتشفة فيها ولمن تكون السيادة عليها خصوصا تلك الحقول المشتركة على حدود أكثر من دولة متوسطية.

 

التموقع الاستراتيجي غرب المتوسط

 

تريد تركيا أن يكون لها موطئ قدم استراتيجي في غرب المتوسط بعد أن ضمنت تموقعا جغرافيا وعسكريا شرق المتوسط من خلال تدخلها العسكري الأخير في سوريا عبر عملية نبع السلام وتواجدها العسكري في شمال العراق ونفوذها الاقتصادي القوي في كردستان العراق.

 

هذه المواقع الاستراتيجية تضمن لها في المستقبل خطا بحريا وبريا يفتح امامها أسواقا تجارية مستقبلية سواء داخل المناطق التي أخضعتها عسكريا أو استخدامها كطريق لأسواق تجارية أخرى في قارة آسيا وأفريقيا كما هو الحال مع الصين وطريق الحرير.

 

هذا بالإضافة إلى أن أنقرة تسعى من خلال البوابة الليبية تعزيز نفوذها الاقتصادي في دول المغرب العربي ومن بينها تونس التي وصل حجم التبادل التجاري معها لأكثر من مليار دولار أغلبها من عائدات الصادرات التركية لتونس التي تجاوزت 760 مليون دولار مقابل   240 مليون دولار أميركي من الصادرات التونسية.

 

سيناريوهات التدخل العسكري التركي المحتمل في ليبيا

 

وبالعودة للحديث عن السيناريوهات التركية المحتملة في ليبيا فإنها تتأرجح، حسب الخبراء العسكريين والاستراتيجيين، بين التدخل العسكري المباشر عبر إرسال كتائب وجنود وعتاد عسكري لطرابلسي وخوض حرب مباشرة ضد قوات شرق ليبيا وداعميها الروس والمصريين مما سيحول ليبيا لساحة حرب بالوكالة بين القوى الاقليمية وهو ما سيؤدي بنتائج مدمرة على استقرار ليبيا وأمنها على المدى المتوسط والبعيد.

 

السيناريو الثاني هو ان ترسل انقرة تجهيزات عسكرية متطورة وجنود وخبراء عسكريين واستخباراتيين وقادة أمنيين لدعم المجموعات المسلحة المنضوية تحت حكومة السراج وقيادتها في حرب طرابلس من أجل ايقاف تقدم حفتر وطرده خارج حدود طرابلس واستئناف مفاوضات الحل السلمي.

 

أردوغان يعقل جيدا أن خوض حرب الكل ضد الكل في ليبيا والتوجه نحو الحسم العسكري بهدف القضاء النهائي على قوات شرق ليبيا وطرد حفتر لمصر او الامارات صعب أو شبه مستحيل تحقيقه إذا ما اخذنا بعين الاعتبار موازين القوى على الأرض بين قوات حفتر وقوات السراج، وخصوصا شبكات التحالفات الاقليمية والدولية التي يتمتع بها المشير حفتر والتي لن تسمح بإقصائها من مشروع الحل النهائي في ليبيا أو القضاء على مصالحها النفطية في هذا البلد الغني بثرواته الطبيعية البترولية.

 

ولذلك فمن المتوقع أن يسعى أردوغان من خلال اعلان الحرب والتصعيد العسكري لدفع مسار الأحداث في ليبيا نحو عقد اتفاقية صلح وتسوية الصراع بين الشرق والغرب الليبيين ولكن حسب شروط تركيا ومطالبها التي تتراوح بين الحد الدنى والحد الأقصى.

 

وحسب المعطيات الميدانية وآراء الخبراء، فإن أنقرة تريد اخراج حفتر وقواته من طرابلس والمناطق المحيطة والقريبة منها (مصراتة، سرت، جنوب طرابلس، قاعدة تمنهنت العسكرية، قاعدة الجفرة..) واستعادة سيطرة حكومة الوفاق على حقول النفط التي افتكتها منها قوات حفتر، ومن ثمة عودة حكومة السراج ومن ورائها تركيا لمفاوضات عملية السلام من موقع أقوى وبأوراق لعب مهمة.

 

لكن موازين القوى ربما لن تسمح لهذا السيناريو بالتحقق ولن تقدر تركيا من خلال تدخلها العسكري، في أفضل الأحوال، سوى المحافظة على العاصمة طرابلس كمنطقة سيادة وحكم لحكومة الوفاق التي يترأسها فايز السراج، هذا إن لم تسقط طرابلس بيد خليفة حفتر وقواته وبالتالي القضاء على الوجود التركي في ليبيا نهائيا.

 

 

 

 

 

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *