الأحد 02 أكتوبر 2022

صراع نفوذ أمريكي فرنسي على الساحة التونسية: خلفيته التاريخية وأبعاده الجيوسياسية

تاريخ النشر : 25 أغسطس 2022

بدر السلام الطرابلسي

صعّدت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرا خطابها الدبلوماسي الموجّه إلى تونس على إثر الاستفتاء على الدستور الجديد الذي أحدث جدلا سياسيا داخليا وخارجيا بسبب تدني نسبة المشاركة في التصويت التي لم تتجاوز الـ30 بالمائة ومقاطعة غالبية المعارضة بمختلف عناوينها للاستفتاء.

 

وانتقد وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، بتاريخ 09 أغسطس الجاري، المسار السياسي الذي يقوده الرئيس قيس سعيد عندما قال أن “حلم تونس بحكومة مستقلة أصبح في خطر”.

 

وأضاف أوستن “يمكننا أن نشعر بتلك الرياح المعاكسة في تونس التي ألهم شعبها العالم بمطالبته بالديمقراطية’، وتابع ‘الولايات المتحدة ملتزمة بدعم أصدقائنا في تونس، وفي أي مكان في أفريقيا، الذين يحاولون إقامة نظم ديمقراطية منفتحة تخضع للمحاسبة ولا تستثني أحدا”.

 

وفي رسالة مشفرة للجيش التونسي، قال: “الجيوش في إفريقيا عليها القيام بدورها الشرعي وحماية الحريات والحقوق الإنسانية والدفاع عن سيادة القانون بدلا من المساعدة في الفساد حيث يزداد الاستبداد في العالم”.

 

من جانبه، قال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، بتاريخ 28 يوليو الماضي، إن تونس شهدت تآكلا مقلقا للمعايير الديمقراطية على مدار العام الماضي، وإن عددا من المكاسب التي حققها الشعب التونسي منذ عام 2011 تم التراجع عنها.

 

هذا الموقف الأمريكي القلق والمنتقد للمسار السياسي الداخلي في تونس يقابله موقف فرنسي مرحب عموما بالإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد منذ 25 يوليو، داعيا لأن يكون هنالك حوار سياسي بين السلطة والمعارضة ومؤسسات المجتمع المدني.

 

وقالت الرئاسة الفرنسية في بيان نشرته على موقعها الالكتروني بتاريخ 09 أغسطس، إن الرئيس إيمانويل ماكرون وصف -خلال مكالمة هاتفية مع نظيره التونسي قيس سعيد- الاستفتاء بأنه “مرحلة مهمة” في عملية الانتقال السياسي الجارية، داعيا سعيد للعمل من أجل “حوار تشارك فيه جميع الأطراف”.

 

وأضافت الرئاسة أن ماكرون أكد على ضرورة استكمال الإصلاحات الجارية في المؤسسات في إطار حوار شامل مع احترام سيادة تونس.

 

كما أكد الرئيس الفرنسي أن تونس يمكن أن تعتمد على دعم فرنسا في مباحثاتها مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض شرط تنفيذ برنامج الإصلاحات.

 

وقال أيضا إن فرنسا مستعدة للعمل مع تونس لتلبية الحاجات الغذائية للبلاد في مواجهة النقص الذي سببته الحرب في أوكرانيا، أحد أكبر منتجي الحبوب في العالم.

 

تضارب المواقف الفرنسية الأمريكية حول الوضع الداخلي في تونس يشي بوجود خلاف غير هيّن حول الشأن التونسي، خصوصا وأنه يتعلق -حسب ما هو معلن- بالمسألة الديمقراطية وبمسائل أخرى ذات ارتباط بصراعات دولية وجيوسياسية تجسّد تونس أحد ساحاتها النشطة.

 

خلفية تاريخية

الحضور الأمريكي في منطقة البحر الأبيض المتوسط له جذور تعود للقرن الثامن عشر وتحديد إثر استقلال الولايات المتحدة عن الاحتلال البريطاني عام 1776م وبحثها عن التوسع تجاريا في مناطق مختلفة من العالم حيث كان للممرات والطرق التجارية عن طريق المتوسط أهمية كبيرة للتجار الأمريكيين.

 

وبحسب مصادر تاريخية، لم تستطع فرنسا حينها تأمين التجارة الأمريكية من القرصنة البحرية التي تنطلق من بلدان شمال أفريقيا (تونس والجزائر وطرابلس التي كانت تعتبر ولايات عثمانية في تلك الفترة) أو لم تُرِد ذلك لأن البايات والباشاوات والديات الذي يحكمون هذه الدول لم يكونوا راضين عن الوساطة الفرنسية، خصوصا تونس التي طلب حاكمها وقتها حمودة باشا بدفع الاتاوات ومبالغ مالية هامة من أجل تامين التجارة الأمريكية وكذلك فعلت طرابلس غرب ليبيا والجزائر.

 

وانتهت حينها الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية مع طرابلسها والمناوشات العسكرية مع تونس وباقي بلدان شمال افريقيا إلى اتفاقيات دبلوماسية تضمن من خلالها الدول المغاربية سلامة التجارة الأمريكية وأمنها من الهجمات البحرية مقابل دفع الجزية والضرائب، لتتطور في ما بعد لعلاقات دبلوماسية مثمرة تتجاوز المسائل التجارية والاقتصادية لتتحول لعلاقات صداقة بين تونس والولايات المتحدة.

 

وتبعا لذلك، وقع بعث أوّل قنصليّة أميركيّة بتونس يوم 20 جانفي 1800. وخلال شهر سبتمبر 1805، استقبل الرّئيس الأميركي توماس جافرسون مبعوثا خاصّا من تونس، تلاه إثر نهاية الحرب الأهلية سنة 1865 تعيين سفير تونسي لدى الولايات المتّحدة كان محمّلا برسالة صداقة إلى الشّعب الأميركي.

 

هذا وساندت أمريكا تسجيل القضيتين المغربية والتونسية للنقاش أمام المحفل الأممي في أكتوبر 1952 في سياق الشعارات التي رفعها الرئيس الأمريكي ويلسن إثر الحرب العالمية الأولى القائمة على حق الشعوب في تقرير مصيرها.

 

كما تواصل الدعم الأمريكي بطرق غير رسمية عبر النقابات الأمريكية؛ فكان أن طالب المجلس التنفيذي الاتحاد الأمريكي للشغل في فيفري 1952 الاستقلال الداخلي لتونس داخل الاتحاد الفرنسي، ودعا

إلى مفاوضات مع القوى الديمقراطية بقيادة الحبيب بورقيبة لتحقيق المسار نحو الإستقلال الكامل.

 

وبينما كانت تونس تجاهد من أجل الاستقلال، أقام زعماء المقاومة الوطنية علاقات طيّبة مع أمريكا حيث كانت الولايات المتّحدة يوم 17 مايو 1956 أوّل قوّة عظمى تعترف بسيادة الدّولة.

 

هذا المسار من الدعم الدبلوماسي والنقابي الأمريكي لقضية التحرر الوطني التونسي أحد معالم الخلاف بين الولايات المتحدة وفرنسا التي لم تكن مرتاحة للتدخلات الأمريكية في مستعمراتها المغاربية.

 

التنافس الفرنسي الأمريكي بعد الثورة

مسار العلاقات الأمريكية التونسية تطور بشكل ملحوظ في العشرية التي تلت الثورة وتطور معها الخلاف الأمريكي الفرنسي حول تونس بوتيرة أسرع وأكثر تعقيدا.

 

وبحسب وثيقة نشرتها وزيارة الخارجية الأمريكية، فإنه منذ ثورة يناير 2011 ، خصصت الولايات المتحدة أكثر من 1.4 مليار دولار لدعم التحول الديمقراطي في تونس (حوالي 4.4 مليار دينار تونسي).

 

كما ساهمت الولايات المتحدة، بحسب تصريحات مسؤولين أمريكيين، في دعم تونس للتصدي لخطر الإرهاب العابر للحدود وامتداد الصراعات في البلدان المجاورة ؛ وإدارة الطلبات المتزايدة على قوات الأمن الوطني التونسي.

 

وهذا ما أثار حفيضة فرنسا، المستعمرة القديمة لتونس، دون أن تطفو تقييمات هذه الموقف الفرنسي الغير راض على توسع النشاط الأمريكي في تونس على السطح لعدة اعتبارات تفترضها العلاقات الأمريكية الفرنسية حول العالم وعضويتهما في حلف الناتو.

 

إلا أن الجارة الشمالية لتونس لم تكن مرتاحة للمساهمة الأمريكية في بعض العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش التونسي ضد التنظيمات الجهادية والارهابية في جبل الشعانبي وفي الهجوم المسلح على بن قردان انطلاقا من الجنوب التونسي سنة 2016. خصوصا وأن المساعدة الأمريكية بالسلاح أو بالوسائل اللوجستية والتكتيكية والاستخباراتية قد أدّت لنتائج مهمة في سياق الحرب على الارهاب.

 

وفي حين أن العلاقات في عهد الرئيس السابق الباجي قائد السبسي كانت في اتجاه توطيد العلاقات مع أمريكا وتطويرها بوتيرة متسارعة للحصول على أكبر قدر ممكن من حصة المساعدات الأمريكية الخارجية، عرفت هذه العلاقات انتكاسة مع الرئيس قيس سعيد إثر ما عرف بانقلاب 25 يوليو والاجراءات الانفرادية التي اتخذها بحلّ البرلمان والهيئات الدستورية واغلاق الباب أما التفاوض والحوار.

 

واحتدت نبرة الموقف الأمريكي من الأحداث السياسية في تونس إثر الاستفتاء على الدستور الجديد الذي يقر سلطات تنفيذية واسعة للرئيس تطغى على السلطات التشريعية والقضائية.

 

غير أن الفرنسيين عبروا عن رضاهم عن تغيير النظام السياسي في تونس معتبرين أن الاستفتاء على الدستور الجديد يعتبر “خطوة مهمة” في طريق التحول السياسي. فتركيز السلطات التنفيذية بيد الرئيس، بحسب السرديّة الفرنسية، يسهل لباريس بناء علاقات متقدمة مع سعيّد تخدم مصالحها.. عوضا عن نظام برلماني يقوم على توازن السلطة وتشتتها.. بحيث يصعب غالبا توظيفها جميعا لضمان مصالحها.

 

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإنها وإن لم تكن منزعجة كثيرا عند بداية التغيير الذي حصل في السلطات في 25 يوليو إلا أن حل البرلمان والهيئات الدستورية خصوصا المجلس الأعلى للقضاء وعدم تشريك أصدقائها من المعارضة الإسلامية والليبرالية في الحوار الوطني، وتراجع سعيد عن تكوين حكومة تكنوقراط برئيس ذو خلفية اقتصادية لإيجاد حلول للمشاكل المالية والاقتصادية التي تعاني منها البلاد دفع الأمريكيين لتغيير لهجتهم السياسية معه. ولكن لم تكن المتغيرات الداخلية لوحدها هي سبب عدم الرضا الأمريكي، فللمسألة أبعاد أخرى إقليمية وجيوسياسية.

 

الدوافع الجيوسياسية

أثبتت مواقف الرئيس التونسي قيس سعيّد من الملفات الاقليمية انسجامه مع الأجندة الفرنسيّة في المنطقة على حساب الموقف الأمريكي، خصوصا في الموقف من حل الملفّ الليبي حيث لم تكن الادارة الأمريكية تتقاطع مع سياسات فرنسا الداعمة للمشير خليفة حفتر.

 

إلى ذلك، تنظر فرنسا بالذات لتزايد النفوذ الأمريكي في تونس بعين السخط.. لكونها تعتبر تونس بلدا تابعا لها وتحت هيمنتها.. ولا تريد أن تفقد مكانتها فيه لصالح الولايات المتحدة التي بدأت تهتم بالدخول لأفريقيا بقوّة من البوابة الشمالية.

 

و بعد أن كانت القارّة في شطرها الفرنكوفوني مجالا حيويا لفرنسا أصبحت الآن ميدانا تتصارع فيه الارادات الدولية وعلى رأسهم الصين وروسيا والولايات المتحدة.

 

ويرى خبراء أن أمريكا تنظر للوضع في تونس من منظور صراعها الحاد مع روسيا في أوكرانيا، ومن زاوية التطاحن الاقتصادي والجيوسياسي مع الصين. فكلتا القوتين العظميين روسيا والصين لهما مطامع ومطامح في أفريقيا في توسع ملحوظ خصوصا الصين، في حين تراجع نفوذ الولايات المتحدة في هذه القارة ذات الاقتصاديات الواعدة والثرية بالمواد الأولية بناتج محلي وصل لـ 2.6 ترليون دولار سنة 2019.

 

ولذلك تسعى الادارة الأمريكية الحالية لأن يكون لها نفوذ مؤثر في تونس ودول شمال افريقيا واتخاذها كبوابة لإفريقيا جنوب الصحراء على حساب المصالح الفرنسية.

 

ورافق هذه الحملة الأمريكية شعار دعم الأنظمة والأصدقاء الديمقراطيين في تونس و أفريقيا مثلما جاء في تصريحات وزير الدفاع الأمريكي خلال تغيير القيادة الأمريكية في أفريقيا، لأنه بالنسبة إليها أفضل جدار صدّ ضد تمدد الصين الشيوعية وروسيا التسلطية “القيصرية” في أفريقيا.

 

فالولايات المتحدة ترى أن دعم الأنظمة الديمقراطية وتقويتها في أفريقيا هو أفضل استراتيجية لوقف رياح الشرق التي تهب على القارة السمراء منذ أكثر من عقدين من الزمن.

 

وحسب مختصين في الشأن الدولي، فإن اللافت في الموقف الأمريكي المتصاعد من التحولات السياسية في تونس هو أنه انطلق من التصريحات الدبلوماسية عبر وزير الخارجية أنتوني بلينكن لينتقل إلى مستوى عسكري عبّر عنه وزير الدفاع لويد أوستن خصوصا عندما أشار إلى ضرورة قيام الجيوش الأفريقية ، وتلميحا تونس، بلعب دور في حماية الديمقراطية والحريات والتوقف عن دعم الأنظمة الاستبدادية والفاسدة.

 

مما يعني أن المسألة التونسية أصبحت من ضمن اهتمامات أمنها القومي الشامل بينما نجد أن الموقف الفرنسي والأوروبي عموما لايزال يتعامل سياسيا ودبلوماسيا مع التغيرات الحاصلة في تونس ولم نسمع انتقادات لمسار التحولات السياسية سواء الاستفتاء على الدستور أو تغيير النظام السياسي بمراسيم وقوانين رئاسية.

 

إن تصادم الارادات الدولية على الساحة التونسية، خصوصا بين فرنسا والولايات المتحدة، يؤشر عموما على وجود موقف دولي غير مريح وفي غير صالح الرئيس التونسي قيس سعيد الذي أقدم على اصلاحات وتغييرات جذرية للنظام السياسي الذي تم تأسيسه ما بعد الثورة، وهو ما سيزيد من صعوبة الوضع الداخلي بالبلاد حيث يتآكل الاقتصاد التونسي يوما بعد يوم بسبب ارتفاع نسب التضخم وفقدان المواد الأساسية وصعوبة الحصول على التمويلات الخارجية.

 

 

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *