الثلاثاء 28 سبتمبر 2021

دكتاتورية دستورية؟ خبراء في الاعلام والاتصال يقدمون قراءتهم للوثيقة المسربة

تاريخ النشر : 2 أغسطس 2021

بدر السلام الطرابلسي

جاء في تسريب لوثيقة نشرها موقعها “ميدل إيست آي” الاخباري Middle East Eye ، بتاريخ 23 ماي 2021، زعم أنها مأخوذة من مكتب رئيسة ديوان الرئيس نادية عكاشة، خطة انقلاب جاهزة يقودها رئيس الجمهورية قيس سعيد ويعلن أنا البلاد أمام “خطر داهم” بسبب تفاقم الوضع الصحي بالبلاد وارتفاع المديونية وانتشار الفساد، وذلك اعتمادا على الفصل 80 من الدستور.

 

التسريب كشكل صحفي مستجد يطرح عدّة تساؤلات حول مدى استجابته لشروط الكتابة الصحفية وأخلاقياتها وتقنيات المقالات ذات التوجهات الاستقصائية، كما أن مضمون التسريب في حد ذاته وسياقه الزماني والمكاني يَشِي بوجود تشابك بين خلفيته وغاياته وبين ما يدور في الساحة السياسية من صراعات وتجاذبات خصوصا بين رئيس الجمهورية وبين حزب حركة النهضة ورعاتها العرب والإقليميين.

 

هل للتسريب قيمة علمية ومصداقية؟

عرفت الصحافة التونسية بعد الثورة، ما عدا بعض الاستثناءات، العديد من التحولات على مستوى تقنيات العمل الإعلامي الرقمي والمكتوب والسمعي البصري، إلا أن هذه التحولات لم تكن في غالب الأحيان في صالح الارتقاء بالمضامين الإعلامية شكلا ومضمونا، ولم تحظى لحد الآن بثقة السواد الأعظم من الناس، بحسب خبراء في الاعلام والاتصال.

ويتنزل التسريب الأخير الذي يتهم رئيس الجمهورية بالتحضير لعملية انقلاب دستورية في هذا السياق الذي لا يحترم معايير جودة العمل الصحفي ولا شروط الصحافة الاستقصائية المبنية على العديد من المقاييس الصارمة.

وفي هذا السياق، أوضح لنا الأكاديمي والباحث في الميديا، الصادق الحمامي، أن للصحافة الاستقصائية نواميسها وقوانينها وتقنياتها وأخلاقياتها، “وهي تتحرى الدقة ولا تنشر إلا ما تأكدت منه بالحجة والبرهان والبيان”، مشيرا إلى أن ما قام موقع “ميدل إيست آي” يدخل في مجال صحافة التسريبات، وهو ما تقوم به الصحف التونسية مثل صحيفة الأنوار التي تعتبر صحيفة تسريبات.

غياب شروط الدقة والتثبت والمؤيدات القوية على صحّة التسريب الذي نشره موقع “ميدل إيست آي” يضرب مصداقية الوثيقة المسربة ومحتوى التسريب في حد ذاته لما لهما من ترابط وثيق، ويفتح الباب على تفسيرات مختلفة حول الغاية من نشر هذه التسريبات والجهات التي تقف وراءها والإطار العام الذي جاءت فيه وعلاقتها بالدعاية السياسية للأحزاب والأطراف العربية والإقليمية التي تقف وراءها.

وفي هذا السياق يقول ماهر عبد الرحمان أن الموقع البريطاني كان قد مهد لموضوع الأزمة السياسيّة بتقرير عن تمظهراتها منذ أواخر شهر أفريل، “وكان يكفي تخيّل سيناريو انقلاب رئاسي ينهي الصّراع لصالح رئيس الجمهوريّة لإطلاق فضيحة بشأنه. وهذا ما حدث من خلال “التّسريب بخصوص انقلاب مزعوم” وقّعه رئيس تحرير الموقع “دافيد هيرست” لإضفاء المصداقيّة عليه، أخذا بعين الاعتبار أنّ “هيرست” اسم كبير في الإعلام البريطاني. وعلى أساس ذاك “التّسريب” قامت حملة شيطنة كاملة من حزب النّهضة لرئيس الجمهوريّة حتّى تظهر، وكالعادة، وأنّها ضحيّة مؤامرات غير دستوريّة. غير أنّ الأمر لا يتعدّى الضربة الاستباقيّة المدروسة جيّدا لإجهاض أيّ تفكير من الرّئيس قيس سعيّد للقيام بأيّة مناورة ضدّ النّهضة ورئيس الحكومة هشام المشّيشي.

 

 

والمسألة لم تتوقف عند هذا الحد بل إن معظم وسائل الإعلام في تونس، ومن بينها صحف عريقة كجريدة الصباح، أعادت نشر ما جاء في الوثيقة دون التثبت من مصداقيتها ومن جديّة الوسيلة الإعلامية التي نشرتها، واعتمادها كمادة إخبارية تستحق الاهتمام والنشر.

للتذكير، ليست هذه المرة الأولى التي تخرج فيها تسريبات في وسائل إعلام تونسية دون التدقيق في قيمتها  الصحفية. فقد سبق للنائب عن ائتلاف الكرامة وصاحب موقع “الصدى” القريب من حركة النهضة أن نشر تسريبات لسياسيين وإعلاميين وناشطين مجتزأة ومقتطعة من سياقها على أساس أنها سبق صحفي ليتم فيما بعد تداولها إعلاميا وتدويرها دون التثبت من صحتها وسياقاتها، وآخر هذه التسريبات هي الوثائق التي نشرها ويتهم فيها رئيس الدولة بتلقي أموال من الخارج في الانتخابات والتخابر مع الأجنبي.

في هذا السياق، يرى الصادق الحمامي أن النخب السياسية الجديدة التي تسلمت المشهد السياسي بعد 14 جانفي أعادت إنتاج نفس الوسائل الدعائية التي كان النظام السابق يستعملها “وهذا خطير جدا لأن النخب السياسية الجديدة بصدد افساد الانتقال السياسي الديمقراطي والمشهد الإعلامي باستخدام وسائل دنيئة للدعاية السياسية وتشويه صورة المنافس السياسي ومن أهمها توظيف الإعلام”.

ويشير الباحث في الميديا إلى أن الفاعلين السياسيين في مرحلة الانتقال الديمقراطي يستحوذون على السلطة عبر ربط علاقات بين قوى مالية (مستشهرون) ومؤسسات إعلامية بتمويلات خفية .ويتم استبدال الدعاية التقليدية التي كان يمارسها النظام السابق لصالح الرئيس والحزب بأشكال دعائية مقنعة مثل وظيفة الكرونيكور الذي يقوم بالدعاية السياسية للأحزاب والدول أحيانا.  وكل حزب له من يتكلم باسمه وله امتدادات داخل الاعلام مثل حزب حركة النهضة وقناته “الزيتونه”.

كل هذا بهدف خلق بيئة من الريبة والشك في كل شيء، والنتيجة خلق مناخ يصبح فيه من الصعب جدا تمييز الحقيقة من التزييف والتظليل، وبالتالي زعزعة الثقة في الإعلام وفي النخب السياسية.

 

دور الإعلام الخارجي في البروباغندا الداخلية

الدعاية المضادة التي خلقها التسريب الأخير لموقع “ميدل ايست آي” لا يمكن عزلها عن الاستراتيجية الاتصالية الكبيرة التي تعتمدها بعض الدول العربية لخدمة أهدافها في دول المنطقة ومن بينها تونس.

وبحسب ماهر عبد الرحمان، فإن اختيار اسم  دايفد هيرست، مؤسس ورئيس تحرير الموقع، لتوظيفه في عمل إعلامي منسوج ببروغاندا خفيّة ليس مصادفة، بل مدروس. “فالإعلام الخليجي، سواء منه القطري أو الإماراتي في مقام أوّل، ثمّ السّعودي، كثيرا ما يستخدمُ العلامات سواء التّجاريّة أو المهنيّة في الإعلام لتمرير البروباغندا من خلالها.

وقد بدأ الأمر منذ سبعينات القرن الماضي عندما أجّر النظام السّعودي واحدة من أشهر الصحف العربيّة بمجموعة من كبار كُتابها وصحفيّها، وهي “الحياة” اللبنانيّة، ونقل مقرّها إلى لندن لتكون في الخدمة، وأقلّه لإبعادها عن انتقاد النظام السعودي.  وتبعتها قطر أواخر التّسعينات باقتناء صحيفة “القدس العربيّ”.

 

وتابع “ثمّ دخلت الأطراف الخليجيّة في المنافسة على ملكيّة القنوات التلفزيّة اعتبارا لما لوسيلة الاتصال هذه من انتشار واسع وتأثير على المتلقّي. فكانت أم بي سي، وقنوات أي أر تي السعودية، تبعتها مباشرة قناة الجزيرة الإخباريّة، مع مجموعة أخرى من القنوات ذات الطابع الإخباري، قابلتها السّعودية بإنشاء قناة العربيّة والعربيّة الحدث، ثمّ وأخيرا قناة الشّرق – بلومبرغ”.

وأضاف “في إطار هذه المنافسة، وبهدف إضفاء صبغة الجدّية والحياد، تمّ اللجوء إلى العلامات التجاريّة الكبرى في عالم التلفزيون مثل سكاي، وسي بي آس، وبلومبرغ،… وفي عالم الصحافة المكتوبة الأندبندنت، ولوموند، والمواقع الإخباريّة للقنوات الكبرى. ولإبعاد الشبهات بشأن الانتماء، تُقام هذه القنوات على أراض غير أرض الدولة المُمولّة كلندن، ومصر، ودبي بالنسبة للإعلام السعودي. بينما تستضيف مدينة دبي للإعلام عددا من هذه المؤسّسات الإعلاميّة العالميّة لتأمن تدخّلها في شؤون الإمارات”.

وأوضح محدثنا “لئن كان الإعلام المموّل من قبل الإمارات والسعوديّة خاضعا بالكامل للتوجّهات السياسيّة لهذين البلدين، فإنّ الإعلام المموّل من قطر ينفلتُ نسبيّا من أيدي أمير البلاد. فمنذ الأمير السابق حمد بن خليفة آل ثاني الذي تأسّست في عهده قناة الجزيرة في إطار المواجهة مع المملكة العربيّة السعودية، قامت القناة بدور كبير لإسماع صوت قطر ومواقفها. لكنّ القناة، ومع تمكّن الإخوان المسلمين الكامل من أجهزة الدولة في قطر، وظّفوها أيضا لخدمة مشروعهم بطريقة ذكيّة ومغلّفة بالمهنيّة. فللشيخ القرضاوي وعدد من الأمراء الإخوان في الدّيوان الأميري وكبار المسؤولين في الدولة تأثير على الخطّ التحريري للقناة الإخباريّة أكثر من الأمير نفسه”، على حد تعبيره.

 

ديمقراطية مزعجة للسياق العربي

جنّدت عدّة دول عربية وأجنبية، على امتداد عقد من الثورة أجهزتها الإعلامية والدعائية للتدخل في مسار الثورة التونسية لغايات عديدة ومتناقضة بحسب أجندة وبرامج هذه الدول في تونس.

وعلى الرغم من اختلاف خلفيات وأهداف هؤلاء الفاعلين العرب إلا أن النتيجة كانت واحدة وهي تهديد مسار الانتقال الديمقراطي وخلق عداوات داخلية بين الأحزاب والمجموعات الموالية لهذه الدول.

لم يشذ ما قام به موقع ميدل إيست آي عن الأجندة الإعلامية والسياسية التي تم التخطيط لها للسيطرة على المشهد السياسي في بلادنا وخدمة المصالح الاستراتيجية للدولة التي تقف وراءه . فالتسريب الذي يتحدث عن الانقلاب يأتي في سياق سياسي يشتد فيه الخلاف بين حركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي من جهة وبين رئيس الجمهورية قيس سعيد من جهة أخرى، حول حدود صلاحياته الدستورية والدبلوماسية الخارجية، وهو ما من شأنه أن يخدم النهضة وأتباعها (حكومة المشيشي، ائتلاف الكرامة…) في معركتهم السياسية مع رئاسة الجمهورية.

وفي هذا الإطار أوضح لنا الإعلامي والباحث ومؤلف كتاب “أزمة السمعي والبصري العمومي في تونس”، ماهر عبد الرحمان أنه “ظاهريّا، تسعى الصحيفة (ميدل إيست آي) إلى التقيّد بالحياد. لكن تحليل محتواها يُظهر موقفا في صالح حزب النّهضة إزاء منافسيه، وأحيانا يظهر الحزب الإسلامي بأنّه ضحيّة الذين “يريدون الاعتداء على الشرعيّة وعلى الدّستور”.

وأشار ماهر عبد الرحمان، في إجابة أرسلها لـنا عبر البريد الالكتروني إلى أنه “للتفصّي من مسؤوليّة مداهنة النّهضة، ينتقد الموقع الالكتروني الأحزاب الموالية لها كائتلاف الكرامة، لكن ليس النّهضة أو زعيمها، وتجاهل بالمقابل أيّة أزمات داخل الحزب الإسلامي رغم أهمّيتها إعلاميّا مُقارنة بمواضيع أخرى أنتجتها الصّحيفة من تونس”.

إلى ذلك، يرى الصادق الحمامي أن هنالك العديد من القوى الإقليمية تسعى لأن يكون لها موطئ قدم في الحياة السياسية التونسية باستراتيجيات مختلفة لأن الديمقراطية التونسية مزعجة في سياقها العربي، مشيرا إلى أن بعض القوى غير الديمقراطية في العالم العربي تسعى لإفشال التجربة الديمقراطية في تونس سواء بمعارضتها أو ادعاء دعمها.

وخلص للقول أن “التجربة الديمقراطية في تونس هي بمثابة ملعب مفتوح يلعب فيه لاعبون محليون وإقليميون وأجانب، وكل واحد لديه الاستراتيجية الخاصة به لأنه لم تعد هنالك مؤسسة سلطوية قوية في تونس قادرة على فرض أي نوع من النظام”.

وهكذا، نجد أن وسائل الاعلام الممولة خليجيا، دون أن يكون لها ارتباط رسمي بالدولة التي تمولها، تشكل العمود الفقري لاستراتيجياتها الإعلامية وأذرعها الاتصالية المثالية لخدمة أجنداتها في تونس وتحقيق أغراضها السياسية والاقتصادية والأمنية أحيانا.

 

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

None found

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *