الثلاثاء 29 سبتمبر 2020

الاتحاد الأوروبي مطالب بدعم تونس وإيطاليا من أجل حل متكامل للهجرة غير النظامية

تاريخ النشر : 30 أغسطس 2020

مثلها مثل بقية دول الاتحاد لأوروبي، تواجه إيطاليا مهمة ضخمة لإعادة بناء اقتصادها في ظل تنامي جائحة كوفيد-19. تونس كذلك تواجه نفس المعضلة إلا أن مهمة التعافي الاقتصادي تتعقد بسبب تأثير مناخ عدم الاستقرار الإقليمي على صناعتها التي لا تحصى. وكما هو الحال في إيطاليا، لم يتضرر قطاع صناعي بشكل كبير مثل القطاع السياحي. يضاف إلى هذه الوضعية الصعبة مسألة الهجرة غير الشرعية الخارجة عن السيطرة.

 

أجرى يوم 19 أوت الجاري وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو ووزير الداخلية لوشيانو لامورغيزي زيارة رسمية بالغة الأهمية الجاري للقاء رئيس الدولة قيس سعيد في تونس.

 

“لا يمكن التقليل من قيمة هذه الزيارة، ليس فقط للبلدين الأكثر تضررا من الهجرة غير الشرعية، ولكن كذلك بالنسبة للاتحاد الأوروبي الذي وضع كل دعمه وراء البعثة الإيطالية من خلال ارسال مبعوثين خاصين: المفوض بوريل والمفوض جونسون. المغزى الرمزي من هذا الاختيار لن يكون بلا جدوى”، حسب كمال الغريبي رئيس GK Investment Company.

 

كانت تونس ولاتزال، بحكم موقعها الجغرافي، شريكا استراتيجيا هاما للاتحاد الأوروبي في مجال التجارة كما تصنف كذلك “شريكا مميّزا”. مع ذلك، تونس كإيطاليا، تعتبر مركزا للهجرة وغالبا ما تكون بوابة النداء الأولى للعديد من المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء. كما تعتبر تونس أول ملاذ آمن للمهاجرين الذين يحاولون الوصول للشواطئ الأوروبية.

 

ويضيف “تعتبر الهجرة قضية إنسانية بالأساس، وكما صرّح الرئيس التونسي، وهو محق في ذلك، فإن الحلول الأمنية لا يمكنها لوحدها حل المشكلة. بناء عليه، فإن مقاربة جديدة لحل القضية تأخرت كثيرا، لكن هذه المرة – وعلى الرغم من ذلك ، هنالك المزيد من الضغوط على الاتحاد الأوروبي للوفاء بوعوده التي قطعها. الالتزام بتنفيذ برامج اقتصادية ثنائية صلبة مطلوب حاليا إذا أردنا كبح جماح الهجرة الجماعية اليائسة”.

 

من الواضح أن جائحة كوفيد-19 تعتبر واحدة من العوامل التي أدت إلى ارتفاع نسق الهجرة، لكن لا يمكننا تجاهل الأوضاع الاقتصادية السابقة، مضاف إليها نسبة البطالة المرتفعة لدى الشباب التي زادت في صعوبة الوضع. لذا، نحن نشهد في هذه المرحلة تدفقا لمختلف أشكال الهجرة. فبالإضافة لللاجئين الاقتصاديين والسياسيين في الماضي، نرى اليوم هجرة عائلات بأكمها ومتخرجين من أصحاب الشهادات العليا الذين يأملون في العثور على حياة أفضل في أوروبا. والملاحظ أن العديد من هؤلاء المهاجرين هم من الشباب التونسي.

 

الهجرة ليست مشكلة دولة واحدة. إيطاليا تكافح من أجل التعافي من الدمار الذي تسبب فيه كوفيد-19 وقد سبق لها أن أصدحت بانشغالها لضرورة تدخل سريع من شأنه أن يكبح تدفق المهاجرين غير الشرعيين. أنا أدعم الرأي الذي يقول بأن تونس تمتلك الحل الأمثل لهذه المشكلة إذا ما توفر لها الدعم المناسب، يؤكد كمال الغريبي.

 

ستحتاج الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي لإطلاق مبادرة  في تونس تهدف لمعالجة قضية المهاجرين بشكل قانوني وخلق برنامج وصول وإدماج منظم وخاضع للرقابة لاستقبال المهاجرين، والذي من شأنه أن يضبط وصول المهاجرين لأوروبا  ويوفر لهم الأمان والحماية والفرصة لبناء حياة جديدة. تونس، كبلد عبور، ستكون دائما الشريك المثالي لتقاسم عبئ الهجرة مع الدول المصدر ودول الوصول، ولكن فقط في حالة إذا حصلت على الدعم اللازم.

 

وشدد على أنه “لا يمكن التخلي عن تونس في هذا الظرف الحرج. يجب على الاتحاد الأوروبي السعي لإيجاد المزيد من الشراكات المتوازنة، وعلى الرغم من أن الأمر سيكون بمثابة التحدي، فإنه يجب إيجاد هذا التوازن إذا أردنا تحقيق الاستقرار في المنطقة ككل وتجاوز الانقسامات السياسية. بدون استقرار إقليمي، لن ينجح أي برنامج هجرة منظمة بين دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا وبين الاتحاد الأوروبي في مواجهة المهاجرين الفارين من البطالة ونقص الفرص من جهة، ومن الجوع والاضطهاد والعنف والظلم  من جهة أخرى”.

 

واعتبر الغريبي أنه “يمكن لتونس أن تكون مصدر إلهام للمنطقة لأنها قطعت وستواصل في اتخاذ خطوات صادقة نحو الإصلاح السياسي والديمقراطي والاجتماعي وكذلك في أمن حدودها. بإمكان الاتحاد الأوروبي لعب دور في المنطقة من خلال دعم قصة النجاح في تونس كمثال يحتذى به. مع ذلك، علينا أن لا ننسى أن تونس، مازال ينتظرها الكثير من العمل الشاق للإنجاز في مسائل تتعلق بالإصلاح الدستوري الضروري لتعزيز وتقوية كامل المسار الانتقالي نحو النضج الديمقراطي. علاوة على ذلك، سيحتاج الاتحاد الأوروبي كذلك الأخذ بعين الاعتبار مسألة دعم تونس داخليا وليس فقط في قضية الهجرة”.

 

“الهجرة غير الشرعية تطال كامل الاتحاد الأوروبي، لذلك، لا يجب ترك إيطاليا وتونس لوحدهما للتعامل مع مسألة تدفق المهاجرين. قيام الاتحاد الأوروبي بإرسال مبعوثين للقاء وزير الخارجية والداخلية الايطاليين في تونس يعتبر علامة إيجابية تعكس ادارك الاتحاد الأوروبي للأهمية القصوي لإيجاد رؤية مشتركة من شأنها أن تحتضن حوارا عادلا ومفتوحا ونديّا”.

 

وأضاف “نحن بحاجة لإيجاد حلول طويلة الأمد لمشكلة الهجرة غير الشرعية، وموارد يجب أن توجه نحو دول الواجهة مثل إيطاليا وتونس لأننا اكتشفنا حجم التكلفة الضخم للهجرة سواء في الاقتصاد أو في الأرواح – الهجرة غير النظامية غير قابلة للحل على المدى القصير”.

 

سياسات الهجرة يجب أن تقوم على رؤية طويلة الأمد وتعالج الأسباب الجذرية لهذه الظاهرة في البلدان الأصلية. في هذه الحالة يجب أن تحدد أنجع الطرق لدعم دول العبور مثل تونس، ومراقبة الحدود بشكل فعال قبل تبنى إجراءات أخرى في دول الوصول. الحديث في هذه الحالة عن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

 

الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها تحقيق ذلك هي من خلال تخصيص الاتحاد الأوروبي لموارد اقتصادية بهدف تنمية أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فالاستثمار مثلا يشجع التنمية الاقتصادية ويحقق إصلاحات ملموسة ويحسن ظروف المعيشة ما من شأنه أن يثني الناس عن الاضطرار لمغادرة بلدانهم الأصلية، حسب وجهة نظر كمال الغريبي.

 

وقال “مع ذلك، من أجل النجاح في مهمتنا، سنكون في حاجة للشجاعة والطموح. نحتاج لخلق فرص وتوفير حوافز للاستثمار التي تعزز قاعدة الإنتاج، وخلق فرص عمل في الدول الأصلية وتوفير الرعاية الصحية الأساسية والخدمات التعليمية للمجموعات السكانية المحلية، والتأكد من أن الشبيبة تمتلك الأدوات لتقرر مصيرها، وبالتالي تجنب إغراء الهجرة لأوروبا.  إن الحقيقة البسيطة والفعالة تكمن في أمرين: إما توفير الفرص للمهاجرين في بلدانهم، وإلا فإنهم سيأتون لبلداننا بحثا عنها في أوروبا”.

 

“مسؤولية مساعدتهم لا تقع على عاتق الحكومات فقط، مقاربتي الاقتصادية تظهر أن القطاع الخاص وأصحاب المشاريع الفردية بإمكانهم تقديم الكثير للمساعدة في خلق مواطن شغل ودعم الأعمال من خلال استثمارات وتمويلات استراتيجية تستهدف مشاريع في الدول التي يعملون فيها”، حسب وجهة نظره.

 

“ما من شك أن تونس كانت تتلقى الكثير من الدعم المالي من الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك أعتقد أنه في هذه الأوقات الحرجة لوباء كوفيد-19 قد يكون الوقت مناسبا لمراجعة الأجندة الاقتصادية الخارجية المفروضة على تونس وإعادة النظر في طبيعة الظروف المرتبطة بالدعم المالي المقدم”.

 

وأوضح أنه “من البديهي أن تقدم القروض بنسب فائدة، هذا أمر غير قابل للتفاوض، بينما ما يمكن التفاوض حوله هو ما إذا كان يجب أن تقدم مرفقة بتدابير تقشفية تصعب الظروف الاقتصادية وتثقل كاهل الأجيال القادمة”.

في المقابل، سيتعين على تونس أن تقدم نفسها كشريك متوسطي جدي ويعتمد عليه وقادر على الالتزام بتعهداته التي قطعها لجعل الحدود مع أوروبا آمنة.

 

وختم الغريبي “لا يمكننا الفشل في هذه المهمة، وحقيقة مرافقة الاتحاد الأوروبي للبعثة الإيطالية لتونس يبرز الوعي الشديد بحقيقة أن أغلبية المهاجرين الذي يصلون للشواطئ الإيطالية ليست لديهم الرغبة في البقاء هناك. إيطاليا بكل بساطة ليست الوجهة المرغوبة وإنما تعتبر دولة عبور للمهاجرين الراغبين في الوصول لدول أوروبية أخرى”.

 

“هي فرصة واحدة تأتي اليوم لجيل كامل من أجل علاقات أورو-متوسطية، ولدي إيمان راسخ في رمزيتها العميقة”.

*الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر موقع “بوليتيكو تونس”.
Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

None found

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *