الثلاثاء 04 أغسطس 2020

تـونس…دولة “الفسفس”؟ (مقال ساخر)

تاريخ النشر : 13 ديسمبر 2018

تـونس…دولة “الفسفس”؟ (مقال ساخر)
بدر السلام الطرابلسي*

حدثان متناهيان في الخطورة والأهمية طبعا هذا الأسبوع. الأول عفو رئاسي “خاص جدا” أهداه رئيس الجمهورية التونسية الباجي قايد السبسي لبرهان بسيس الملكف بالشؤون السياسية في “حزبه” حركة نداء تونس. الحدث الثاني، تصويت نواب الائتلاف الحاكم بالأغلبية لفائدة قانون المالية لسنة 2019 المثير للجدل، في مجلس نواب الشعب التونسي.


كان من الممكن، بل من المرجح، أن يمر الحدثان مرور الكرام دون اثارة الغبار حولهما. لكن هذا الافتراض يشترط نزع الصفة عن شخوصهما. وإسقاط قدرتهما على تحريك المسارات في المؤقت والماضي وما سيكون في علم المابعد.


كما يفترض أيضا اقتطاع الحدثين من سياقهما السياسي والاقتصادي والاجتماعي. واسقاط ارتباطهما بصراعات أحزاب وأجنحة الحكم ومراكز النفوذ المالي والتجاري، التي توجه سفينة تونس الثملة داخل البلاد وخارجها.


برهان بسيس، يعتبر أحد أبرز نجوم الدعاية “الغوبلزية” في العهدين؛ عهد الدكتاتورية وعهد الثورة. نعم، في تونس المترنحة بين العهدين يباح المزج وبلع المزج معا. بسيس مُتّع بالعفو الرئاسي في قضية فساد لم تتوفر له فيها أدنى الشروط القانونية والانسانية ليتمتع بهذا العفو، إلا صفته الحزبية كعضو في حزب الرئيس، و”مرشد” لابنه المدلل حافظ قايد السبسي.


خطوة اعتبرتها المنظمات الحقوقية تكريسا لثقافة الافلات من العقاب. خصوصا بعد تمرير السبسي لقانون المصالحة مع الفاسدين دون توافق وطني شعبي حوله. وإصدار عفو استثنائي على مقاس سليم الرياحي في قضايا شيكات دون رصيد..إلخ. مما يرشحه ليتبوأ منصب الراعي الرسمي للمفسدين في تونس.


الحدث الثاني، يتعلق بالتصويت على فصول من قانون المالية 2019، تُمَتَّع بموجبه شركات المساحات التجارية الكبرى (جيان، كارفور..) بامتيازات “خاص جدا”، على المقاس. يعفيها لوحدها، ومن معها، ومن على شاكلتها، من دفع الــ35 بالمائة ضرائب، كانت ستساهم في ترميم ميزانية الدولة المتهالكة وتساعد البلاد على حل مشاكلها.
هذه الضرائب تزاح عن العائلات المستثرية في العهدين، وبامتيازات من نظاميها السياسيين، في الوقت الذي يدفع فيه باقي الشعب المستضعف ضرائبه كاملة بــ0 بالمائة تسامح.


كل ذلك برعاية الصهر البعيد، المتمرد على أبويته الروحية، يوسف الشاهد. رئيس حكومة “الفسفس”. وفاتح البوابة لكل أشكال وأنواع الاملاءات والشروط من حليف الداخل وأصدقاء الخارج. المهم في العملية الوصول لبوابة 2019 سالمين آمنين، واعتلاء عرش قرطاج المنشود. أما البلاد “فلها رب يحميها”.!


جمهورية “الفسفس”؛ أكثر مصطلح شعبي ساخر يوصّف بلادنا بعد المصطلح المستورد “جمهورية الموز”. هذا المصطلح عرف شهرته بداية عند البحار “الفذّ”، بكل عفوية، في الفيديو الشهير الذي ردّ فيه طاقم السفينة التونسية “أوليس” ، بلا أدنى مسؤولية أو احساس بفداحة الكارثة التي حصلت، على الانتقادات التي لحقتهم بسبب اصطدام سفينتهم بالسفينة القبرصية الرابضة عرض البحر في وضح النهار، وتسببت بخسائر بالمليارات لتونس.


هي، كما يبدو، حالة من الانكار الكلي للانهيار الشامل الحاصل على جميع المستويات في البلاد والشعور بالرّضى على ما لا يُرضي من الانجازات والأعمال. ما لا لون ولا طعم ولا معنى له. نتيجة طبيعية لسنوات من القصف الاعلامي والدعائي والايديولوجي، وسياسة “تزغيط البط”، كما يحلو للاخوة المصريين توصيفها، بجميع أشكال وانواع الرداءة في الاعلام والسياسة والثقافة والفنون..


هي كذلك ضرب من اللامبالاة المتقدمة بحالة اللاستقرار التي تعيشها البلاد منذ الثورة إلى اليوم. أهم سماتها الاستخفاف اللامحدود بمؤسسات الدولة وقوانينها ونوامسيها. حيث تصبح هيبة القضاء ودولة القانون والمؤسسات مجرد ترف مواطني مدني لا يعتد بها في معايير الاشتباك الحكومي – الرئاسي المتصاعد.


مشهد كاريكاتوري سريالي رسمته وخططت له مبكرا ما نسميه في تونس بـ”الدولة العميقة” (بقايا النظام البائد من سيايين وموظفين كبار ورجال أعمال واعلاميين ولوبيات مال وتهريب..) بموافقة أحيانا وغض البصر أحيانا أخرى من شريك الحكم أو الحاكم الفعلي للقصبة، القادم من المنافي والسجون، ومن هوامش حقبة الحزب الواحد.


“جمهورية الفسفس” تسمح مثلا للأمريكيين بإقامة “مستعمرة” في ضاحية المرسى تعويضا لهجوم السلفيين على سفارتهم. ويتنقل فيها السفير الفرنسي، أو كما يحلو لأمثالي بتوصيفه بالــ”المقيم العام العصري”، بكل حرية وبلا قيود، في طول البلاد وعرضها. ويستقبل بالتهليل والزغاريد أينما حل.


تجد في هذه “الجمهورية” كذلك “كرونيكورات” تحت الطلب. منهم المتخرج من دورات نظمها الجيش الأمريكي. ومنهم من قدم شهادة اعتلال صحته النفسية في التعليم ليتفرغ للــ”نجومية الإعلامية”. وآخر رشحته “الحركه” ليكون لسانها في “البلاتوهات الاعلامجية”..


“بازار سوريالي” تتجذر فيه، يوما بعد يوم، أقدام الدولة العميقة، ويتمأسس فيه الفساد، وتطبّع فيه الأغلبية مع الرداءة. ويستبدل فيه الاحتجاج الشعبي والتثوير المواطني والاشتباك الميداني، بالسخرية العابرة على الذات والكل. والاكتفاء بموقع المتفرج.


سياق عام استفزازي، وعلف ايديولوجي اصطناعي مكثف، لعيون “سيدة الصندوق” وربّ “المفوضية”. كل ذلك لضمان الاندماج الشامل في العولمة المالية و”الاليكا” بلا موانع ولا اعتراضات من أي نوع. حتى لو وصل الأمر التضحية بصمام الأمان الاقتصادي والخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم ونقل وبيئة..

*الصورة المرافقة للمقال هي لوحة ” الصرخة – Le Cri”

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

None found

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *