الثلاثاء 04 أغسطس 2020

تجمع المهنيين السودانيين: من قادح للثورة إلى قائد لها

تاريخ النشر : 14 أبريل 2019

تجمع المهنيين السودانيين: من قادح للثورة إلى قائد لها
بقلم بدر السلام الطرابلسي

من كان يؤمن بأنه ستأتي بعد انتفاضة السودانيين بالشموع سنة 2011 احتجاجا على غلاء المعيشة وانفصال الجنوب، ثورة جماهيرية هادرة تسقط رأس النظام السوداني المتسبب في كل النكسات التي حصلت للسودان منذ توليه السلطة سنة 1989، فإنه سيؤمن أيضا بأنه ستأتي بعد دعوة الصحافي السوداني أحمد سالم أحمد، دعوة أخرى أكثر تنظيما وراديكالية وحضورا شبابيا ومهنيا وشعبيا يقودها “تجمع المهنيين السودانيين”.

هذا التنظيم الذي عمل في سرية في بداية تأسيسه دعا للثورة على نظام البشير، وقاد التحركات في مختلف مناطق البلاد حتى سقوط الرئيس السوداني عمر البشير. ولا يزال لهذه اللحظة يحرض ويقود ويحتج لافتكاك السلطة من العسكر وتحقيق الانتقال الديمقراطي.

من هو تجمع المهنيين السودانيين؟ وكيف قادة الثورة ضد نظام البشير؟ وماهي أفاق الانتقال ديمقراطي للسلطة في السودان في ظل تمسك المجلس العسكري بقيادة المرحلة الانتقالية؟

على الرغم من أن المظاهرات في السودان لم تحظى بالاهتمام الإعلامي والدولي بالقدر الذي حظيت به الاحتجاجات في الجزائر إلا أن صمود السودانيين خلال أربعة شهور جعل ثورتهم توضع تحت دائرة الضوء خصوصا عند اعلان المجلس العسكري عن بيانه الأول بتنحية عمر البشير من رئاسة الدولة وبدأ مرحلة انتقالية جديدة في تاريخ السودان المعاصر.

هنالك عديد الأحزاب والمنظمات والائتلافات المدنية شاركت في الثورة السودانية من بينها  “قوى نداء السودان” و”قوى الإجماع الوطني” و”التجمع الاتحادي المعارض” لكن أكثر طرف سطع نجمه في هذه التحركات هو “تجمع المهنيين السودانيين”.

الصعود لقمة هرم الأحداث..

تأسس تجمع المهنيين السودانيين سنة 2016 من مجموعة من الهياكل المهنية في اختصاصات مهنية مختلفة. نجد من بينهم الصيادلة والصحافيين والأطباء البيطريين والمحامين والمهندسين.

 التقوا جميعا في هذا الهيكل المهني المتعدد لأن اتحاد النقابات العمالية السوداني كان في أغلبه تابعا لسلطة البشير التي يعارضها هذا التجمع ويدعو لإسقاطها.

في 25 ديسمبر 2018، دعوا لمظاهرات لإسقاط البشير ونظامه، لم يكن في برنامجهم طرح مطالب إصلاحية أو العمل مع الرئيس الذي قامت المؤسسة العسكرية بتنحيته.

وفعلا قادت الاحتجاجات بطريقة ذكية وممنهجة اعتمدت على التنظيم المناطقي والتداول الجغرافي للاحتجاجات وكانت تضع الخرائط وتوجه المتظاهرين وترشدهم أي الطرق يسلكون ليصلو لمقر الاعتصام.  

استطاعت برفقة أحزاب ومنظمات مستقلة وطلبة الجامعات إنجاح الثورة السودانية واجبار عمر البشير على الخروج من الحكم من الباب الصغير. انجاز لم يكن يتوقعه أكثر المراقبين تفاؤلا لما يتسم به نظام البشير من دموية وعنف (حروبه مع جنوب السودان والمليشيات الانفصالية في دارفور) وقمع واجرام نتج عنه عشرات القتلى من المتظاهرين ناهيك عن الجرحى..

 تجمع المهنيين كان جريئا منذ بداية تحركاته وواضحا في مطالبه، ففي 25 ديسمبر عند انطلاق الاحتجاجات، قاد مظاهرة باتجاه القصر الجمهوري “لتسليم مذكرة لرئاسة الجمهورية تطالب بتنحّي الرئيس فورا عن السلطة استجابة لرغبة الشعب السوداني وحقنا للدماء”.

وبالقوة المدنية السلمية، حصلت المعجزة السودانية، وسقط عمر البشير من الحكم كما تسقط قطعة الشطرنج على الرقعة الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط.

 مستقبله السياسي..

 تجمع المهنيين، وكما جاء على لسان قياداته، لا يسعى لأن يكون حزبا سياسيا يتنافس مع باقي الأحزاب السودانية على الساحة السياسية لكن هذا الأمر لا يعني أنه لا يسعى للحكم مثل باقي الأحزاب المعارضة التي جاءت على أرضيته السياسية عندما تقرر تأسيس “ميثاق الحرية والتغيير”.

كيفية مشاركته السياسية في الحكم وبناء على أي برنامج ومن خلال أي هيكل او تحالف انتخابي هو الأمر الاشكالي والغامض لحد الآن في هذا التجمع خصوصا وأن من بين أعضائه يوجد عناصر حزبية تنتمي لأحزاب سياسية مستقلة بذاتها من خارج هذا الهيكل المهني الذي يقرب للتشكيل النقابي منه للتشكيل السياسي الحزبي المنظم، خاصة وأن من بين أهدافه “إيجاد بديل للنقابات الرسمية التي يسيطر عليها النظام”.

 مصير الحراك السوداني تحت مظلة المجلس العسكري

 لم يتوضح بعد مستقبل الثورة السودانية في ظل غياب حكومة مدنية لتسير بالبلاد خلال المرحلة الانتقالية نحو انتخابات نزيهة وشفافة لانتخاب ممثلين للشعب في مجلس مستقل عن السلطة ورئيس جديد يحظى بقبول ورضى مختلف فئات الشعب السوداني، وفقا للمحددات الديمقراطية في مثل هكذا تجارب انتقالية، مثلما حصل في الجزائر عندما قرر الجيش أن يرافق عملية الانتقال الديمقراطي دون التدخل فيها أو الانقلاب عليها.

إلا أن جثوم العسكر السوداني على مرحلة الانتقال من  نظام قمعي استبدادي لنظام ديمقراطي تعددي مدني خلق حالة من عدم الرضا لدى جموع المحتجين ودفعهم لمواصلة اعتصاماتهم واحتجاجاتهم حتى يتولى المدنيون قيادة هذه المرحلة. وتحتفظ خلالها المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية بتأمين الانتقال الديمقراطي وحماية حدود البلاد ومناطق توترها خاصة في دارفور من توترات واختراقات يمكن ان تدخل البلاد في فوضى واحتراب يفسد عملية الانتقال الديمقراطي.

  ويخشى تجمع المهنيين من أن عدم تحقيق مطالبهم السلمية بتنحي العسكر عن قيادة المرحلة الانتقالية إلى عودة الدولة العميقة ونظام البشير. ولذلك هم متمسكون بمطالبهم ويواصلون الاعتصام أمام وزارة الدفاع السودانية لحد كتابة هذه السطور.

هنالك إصرار من الثوار السودانيين السلميين على تفكيك منظومة الحكم القديمة والقطع مع مؤسساتها. ربما استوعب السودانيون الدرس من خلال التجربتين التونسية والمصرية ولا يريدون إعادة ارتكاب نفس الأخطاء.

السودانيون يخافون، ولهم الحق في ذلك، من قيام المجلس العسكري، ومن خلفه الدولة العميقة بالردة عن الديمقراطية، والالتفاف على مطالبهم بالتغيير وما يعنيه من عودة قيادات ورموز النظام القديم للصدارة في ثوب وإخراج جديدين. هذا ما يفسر مواصلتهم الثورة والاحتجاج حتى تحقيق مطالبهم الأساسية المتمثلة في تغيير نظام حكم “شمولي” كما يسمونه لنظام حكم ديمقراطي يتسع لك أبناء السودان على اختلاف دياناتهم وأعراقهم وأصولهم ويقطع كذلك مع التمييز بين السودانيين من أصول عربية والسودانيين ذوي الأصول الأفريقية.

السودان بلد عربي مترامي الأطراف متعدد المناخات والتضاريس وكفيل بالمساهمة في تحقيق الأمن الغذائي العربي والدولي ناهيك عن تحقيق الأمن الغذائي الداخلي، هذا إلى جانب ثرائه بالمعادن والنفط والمواد الأولية الضرورية. ولذلك فإن نجاح ثورته يعني ازدهاره وتقدمه وتحرره من التبعية لبعض الدول الإقليمية والخليجية، ناهيك عن الضغوط الأمريكية والدولية التي أدت لفقدانه الجنوب الثري بالبترول.

 redacteur-en-chef@politikotounes.tn

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

None found

ردان على “تجمع المهنيين السودانيين: من قادح للثورة إلى قائد لها”

  1. يقول طارق:

    حرية سلام عدالة
    ومدنية خيار الشعب

  2. يقول طارق:

    حرية سلام عدالة
    ومدنية خيار الشعب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *