الإثنين 03 أغسطس 2020

بعد أشهر من الجمود، تونس لديها حكومة. كم ستدوم؟ (مقال مترجم)

تاريخ النشر : 11 مارس 2020

سارة يركيس*

صوّت البرلمان التونسي في أواخر الشهر الماضي بالموافقة على منح الثقة لحكومة جديدة برئاسة إلياس الفخفاخ، منهيا بذلك أشهرا من حالة اللاّيقين والفراغ السياسي، في الوقت الذي كان قد أدى فيه الرئيس ومجموعة جديدة من المشرعين قسمهم عقب انتخابات أُجريت الخريف الماضي. الاقتراع أنتج برلمانا لم يكن ليتفق على إعطاء الثقة للحكومة إلا مؤخرا.

 

في تونس عندما تم إعلان الحكومة الجديدة، كان الكثير من التونسيين الذين تحدثت إليهم يتنفسون الصعداء لأن البلاد تجنبت بصعوبة إجراء انتخابات جديدة، وهو ما كان من المحتمل أن يحصل لو فشل الفخفاخ في الحصول على الدعم. ومع ذلك، هنالك آخرون، من نشطاء المجتمع المدني الشباب إلى محللين سياسيين متمرسين، يشككون في أن هذه الحكومة ستكون قادرة على إنجاز المهام الصعبة اللازمة لإبقاء انتقال تونس الديمقراطي على المسار الصحيح.

 

عندما تم الإعلان عن الحكومة الجديدة في تونس، العديد من التونسيين الذين تحدثت إليهم كانوا قد تنفسوا الصعداء لتجنب البلاد الشروع في انتخابات جديدة، وهو ما كان بالإمكان حدوثه إذا فشل الفخفاخ في كسب الدعم لحكومته. بالمقابل، هنالك آخرين، من نشطاء المجتمع المدني الشباب ومن المحللين السياسيين المخضرمين، أبدو ارتيابهم من قدرة هذه الحكومة على تخطي المهمات الصعبة الضرورية لإبقاء تونس على سكة الانتقال الديمقراطي.

 

أحد أسباب هذا الانشغال هو أن هذه الحكومة هي رقم 11 منذ بداية مسار الانتقال الديمقراطي سنة 2011. هذا يعني أن متوسط عمل الحكومات، ما بعد الثورة، يساوي 10 أشهر فقط. وبهذا المعدل المتسارع في التغيير الحكومي، بالكاد يحصل الوزراء على الوقت الكافي لهم ولطواقمهم للنهوض بسرعة بحقائبهم الوزارية قبل أن يغادروا مواقعهم. وعلى الرغم من أن بعض الوزارات، وخصوصا تلك التي تقع تحت صلاحيات الرئاسة، مثل الدفاع والداخلية (؟)** والشؤون الخارجية، استطاعت ان تنجو من التعديلات الوزارية، فإن التغييرات المتتالية ساهمت في فقدان التونسيين الثقة بشكل مستمر في مؤسساتهم السياسية.

 

بالإضافة إلى ذلك، فإن البرلمان الحالي منقسم على نفسه بشكل كبير جدا. انتخابات 6 أكتوبر أنتجت رقما قياسيا من التيارات السياسية وصلت 31، لا أحد منهم كان بإمكانه الحصول على تفويض واضح. الحزبان الكبيران، حركة النهضة الاسلامية المعتدلة وحزب وسط اليسار قلب تونس لم يحصلا سوى على 52 مقعدا للأول و39 مقعدا للثاني من جملة 217 مقعدا. وهكذا، ومن أجل الحصول على الدعم اللازم للمرور، كان على حكومة الفخفاخ أن تعكس الطبيعة المجزأة للمشهد السياسي. يتكون المجلس الوزاري لإلياس الفخفاخ من أعضاء ممثلين لأحزاب سياسية مختلفة تمثل عدة أيديولوجيات من بينها حركة النهضة وحركة الشعب وحزب التيار الديمقراطي (ديمقراطي اجتماعي) وحركة تحيا تونس (وسط) إضافة لعدد من التكنوقراط المستقلين.

 

 أخيرا، فإنه يوجد العديد من المراقبين للحكومة الجديدة من داخل تونس وخارجها، بما أنها تقف على الحافة. على سبيل المثال، فإن منصب وزير الخارجية، واحد من أهم المراكز في الحكومة، أعطي لنور الدين الري، السفير السابق في عمان. دبلوماسيين غربيين تحدثت إليهم لا يعرفون إلا القليل عنه أو عن رؤيته للمسائل السياسية الرئيسية. عدم اليقين هذا يعود لنقص المعلومات حول الرئيس التونسي، قيس سعيد، الذي تم انتخابه في شهر أكتوبر الماضي. قيس سعيد أستاذ قانون دستوري سابق ولا ينتمي لحزب سياسي ولم يقدم إلا القليل من البيانات والتصريحات السياسية. ولذلك فهو لم يوضح الا القليل حول كيف ستكون أولوياته المستقبلية وحول خطته لمواجه التحديات  الكثيرة التي تواجه البلاد.

 

خلال الأشهر التي افتقرت فيها تونس لحكومة، بقيت تونس قادرة على مواجهة مسائل الحكم الأساسية من خلال البرلمان والمسؤولين بالوكالة في السلطة التنفيذية. وبالرغم من ذلك، فإن المأزق السياسي لم يمضي دون ثمن. أولا، غذى الجمود السياسي المشككين في الديمقراطية أمثال عبير موسي عضوة البرلمان التي فشلت في اجتياز الانتخابات الرئاسية العام الماضي. وهي بالمناسبة تقود الحزب الدستوري الحر الذي حصل على 17 مقعدا في البرلمان، حيث كانت صريحة في انتقاداتها للعملية الديمقراطية. وكان كل يوم يمر دون حكومة يغذي حجة موسي بأنهم كانوا أفضل حالا خلال حقبة الحكم الأوتوقراطي للرئيس الأسبق زين العابدين بن علي الذي أطيح به في الانتفاضة الديمقراطية التي حصلت خلال سنة 2010 و2011. وعلى الرغم من أن هذه الحجة فيها مثالب متعددة إلا ان عدم قدرة تونس على تقديم حكومة لمدة أشهر ساهم من دون شك في ارتفاع منسوب عدم الثقة في البرلمان والاحزاب السياسية في صفوف التونسيين.

 

بالإضافة إلى ذل،  وخلال المفاوضات الحكومية، البرلمان كان غارقا في المناورات السياسية، وبالتالي غير قادر على انجاز أية تشريعات. وبالنتيجة، مرت المائة يوم الأولى في مدة حكم الرئيس قيس سعيد دون تحقيق أي تقدم يذكر في الاصلاحات الضرورية لتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للتونسيين وإرضاء المانحين الدوليين مثل صندوق النقد الدولي، الذي يعود له الفضل في استمرارية الاستقرار الاقتصادي. وعلى الرغم من تحقق تقدم كبير على المستوى السياسي منذ ثورة سنة 2011 ، إلا أنكل المؤشرات الاقتصادية في هذه الأيام ، عمليا، أسواء من مما كانت عليه في الأيام التي سبقت الثورة. هجرة وتطرف وانتحار (مؤشرات اليأس) في تزايد.

 

كل هذا يعني أنه مع بدء الحكومة الجديدة عملها، هناك ضغط هائل على الفخفاخ للعمل مع سعيد من أجل تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي استعصت على جميع الحكومات السابقة ومعالجة القضية الرئيسية التي تم انتخاب سعيد لمعالجتها: الفساد. مع اقتراب الذكرى العاشرة للثورة التونسية، نفذ صبر الجمهور التونسي – ولا سيما في المناطق الجنوبية والداخلية ، حيث بدأت الثورة -. وبالتالي، يجب على هذه الحكومة الجديدة أن تجد طريقة لإحداث تغييرات اقتصادية إيجابية في تونس ، وهي مهمة صعبة للغاية بالمناسبة لأي حكومة ، ناهيك عن حكومة مجزأة وقليلة الخبرة مثل هذه الحكومة.

 

لذلك كله، ومع بدأ الحكومة الجديدة عملها، هنالك ضغط هائل على الفخفاخ من اجل العمل مع سعيد لتنفيذ الاصلاحات الاقتصادية التي استعصت على الحكومات السابقة ومعالجة المشاكل الرئيسية التي انتخب من اجلها قيس سعيد وعلى رأسها الفساد. ومع اقتراب الذكرى العاشرة للثورة، بدأ صبر التونسيين ينفذ – خصوصا أولائك الذين يعيشون في الجنوب والشمال الغربي والمناطق الداخلية، أين انطلقت الثورة. ولذلك، يجب على هذه الحكومة الجديدة أن تجد طريقة لتحدث تغييرات اقتصادية لتونس، وهي مهمة صعبة للغاية لأي حكومة، ناهيك عن حكومة مجزأة وقليلة الخبرة مثل هذه الحكومة.

 

حاول يوسف الشاهد، سلف الفخفاخ ، الضغط من اجل اتخاذ تدابير تقشفية والقيام بإصلاحات في القطاع العمومي لتلبية مطالب صندوق النقد الدولي خلال الأربع سنوات التي قضاهم في السلطة، دون جدوى. وقد حذّر الفخفاخ خلال موكب انتقال السلطة من أن “البلاد لن تتقدم للأمام دون القيام بالإصلاحات الضرورية”، وانه “عندما تبدأ الاصلاحات فإن كل حزب معني سيقاوم ويرفض. بعد ذلك، سيتساءل كل طرف “أين هي الاصلاحات”.

 

وفي المحصلة، فإن عمل الفخفاخ قدُّ له مسبقا. سيكون في حاجة إلى الدفع بالإصلاحات للبرلمان في الوقت الذي يواجه فيه تحدي أصعب وهو بقاء حكومته في السلطة حتى سنة 2021 وما بعدها. ومثلما قال عند توليه المنصب، ” بلادنا سئمت من تغيير الحكومات  خلال السنوات التسع الماضية..نريد استقرارا سياسيا”. الأمر متروك له الآن لتحقيقه.

 

 ترجمة: بدر السلام الطرابلسي

المصدر: WORLD POLITICS RVIEW
*سارة يركيس: زميلة في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ، حيث تركز أبحاثها على التطورات السياسية والاقتصادية والأمنية في تونس ، فضلاً عن العلاقات بين الدولة والمجتمع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
 
*إشارة من المترجم.
Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *