الثلاثاء 20 أكتوبر 2020

اللعبة الديمقراطية في تونس و سياسة الإقصاء في الأمتار الأخيرة من السباق الإنتخابي

تاريخ النشر : 24 يونيو 2019

بقلم أ.عبد الجليل عمائرة

التجربة الديمقراطية الفتية في تونس بلغت منعرجا حاسما بعد مرورها بعدة محطات اختبارية منها انتخابات 2011 و ما أعقبها من جدل كبير حول انتهاء صلاحية المجلس الوطني التأسيسي من عدمها منذ العام الأول من تشكله ، و لم تخل انتخابات 2014 الرئاسية و التشريعية من عدة خروقات جسيمة منها انتخاب الموتى و قطع الطريق على المرزوقي الرئيس التوافقي للمرحلة الإنتقالية الاولى و غير ذلك من الشد و الجذب بين أنصار الثورة و أعدائها.

 

و هاهي انتخابات 2019 تطل برأسها معلنة عن قدومها مصحوبة كالعادة بجدل واسع و هوس كبير من كل الأطراف الحاكمة و المعارضة لإقصاء خصومها و قطع الطريق عليهم في الأمتار الأخيرة من سباق الألف ميل ، سباق محموم نحو مستقبل مجهول لبلد يتهدده الإفلاس في ظل إنهيار تام لكل المؤشرات الاقتصادية و الاجتماعية.

 

فما الذي يدفع هذه الأطراف للدخول في هذا الصراع المحتدم؟ و ما مدى دستورية هذه القوانين الاقصائية؟ و هل تشكل هذه الممارسات خطرا على الديمقراطية الناشئة في تونس؟

 

احتدام الصراع في الأمتار الأخيرة من السباق الانتخابي

 

تفاجأ المراقبون للشأن السياسي في تونس في شهر جوان 2019 و قبيل الإنتخابات التشريعية و الرئاسية بأشهر قليلة و المزمع إجراؤها في خريف هذا العام ، بدعوات لتمرير قوانين تقصي أطرافا سياسية بعينها بتعلة حماية الثورة و المسار الديمقراطي في تونس.

 

هذه الحملة الوقائية في ظاهرها و الاقصائية في باطنها ، و التي استعرت نارها ليلة الإنتخابات أو عشيتها ، أثارتها أطراف حاكمة متنفذة من أجل إنفاذ تفاهماتها و توافقاتها التي أجرتها و تجريها تحت الطاولة ، و كأنها الوصي الأوحد على ثورة شعب لم يبلغ سن الرشد الانتخابي و السياسي ربما ، و نقصد بذلك و بكل وضوح ائتلاف النهضة و الشاهد بذراعيهما البرلمانية و الحكومية.

 

و يعتقد هذا الثنائي السياسي أنه قادر على تحقيق غايته الاقصائية الموجهة ضد أطراف بعينها منها نبيل القروي الذي تزعّم نشاطا اجتماعيا و جمعياتيا غير مسبوق، و عبير موسي إحدى وجوه الردّة الطامحة لإحياء الماضي البغيض بعد أن هزها الحنين لزمن الديكتاتورية ، و بعض الشخصيات الأخرى التي لا تخلو كلها من الطرافة و التناقض مثل إحدى النساء التي تقيم في أوروبا وتعيش بأسلوب غربي وتدعو التونسيين لـ”عيش تونسي” .

 

هذه الشخصيات و إن كانت أقرب من أي شيئ آخر ل”سقط المتاع”، إلا أن في اقصائها ليلة الانتخابات خطر على المسار الديمقراطي برمته و تهديد لهذه الديمقراطية الفتية التي لم تكن في أي لحظة من عمر مسارها مثالية و لا حتى سليمة كل السلامة.

 

و في حقيقة الأمر فإن النوايا المبيتة لاقصاء الآخر ليست حكرا على انتخابات 2019 فحسب ، بل مورست سابقا في انتخابات 2014 و بأقل حدة في انتخابات 2011 ضد شخصيات أخرى القاسم المشترك بينها دائما الطرافة و التناقض أحيانا، مثل الهاشمي الحامدي الذي راح ضحية حملات إعلامية شعواء شنتها عليه أطراف معارضة لتوجهاته، و حيكت ضده المؤامرات وصلت لدرجة محاولة اسقاط بعض قوائمه الفائزة في الإنتخابات.

 

كل هذه الممارسات غير الديمقراطية و اللاقانونية ليست جديدة على الأجواء السياسية في تونس بعد تحولات 2011 ، لكن ما يميزها هذه المرة هو نضجها و سعي القائمين عليها إلى الباسها ثوبا قانونيا فضفاضا وإقصائيا. والسؤال المطروح هنا: ألم يكن من باب أحرى و أولى إقصاء أزلام النظام البائد إبان الثورة تحصينا لها إن كان لابد من الإقصاء؟؟

 

 إقصاء الخصوم السياسين خطوات قبل الانتخبات

 

في ظل غياب المحكمة الدستورية التي تعطلت محاولات ارسائها بصفتها إحدى أهم ركائز الديمقراطية ، ينطلق الجدل حول دستورية القوانين الاقصائية الأخيرة التي تسعى أطراف بعينها لتمريرها عشية الإنتخابات التشريعية و الرئاسية في تونس.

 

هذا الجدل يبدو عبثيا بما أن النهضة و الشاهد المتحكمين بزمام البرلمان و المهيمنين في الحكومة بخلاف الرئاسة التي تبين أنها منصب يكاد يكون شرفيا أو هكذا يراد له أن يكون في تونس بعد تحولات 2011.

 

الملاحظ في هذا السياق أن فوبيا الحكم الرئاسوي التسلّطي لا تزال تلاحق نواب النهضة الذين اكتووا بتسلط الحكم البورقيبي الذي حكم على بعضهم بالإعدام، أو بن علي الذي هجرهم و نفاهم إلى اقاصي الأرض و اقصاهم من الحياة السياسية التي احتكرها لحزبه و لشخصه ، و بما أن الخوف سيد الأحاسيس ، فقد دفع الخوف هذا الثنائي الجديد النهضة_الشاهد لتحصين تفاهماتهما لتحقيق مطامحهما في مزيد البقاء في كرسي السلطة أطول فترة ممكنة.

 

فكرسي الرئاسة يستهوي الشاهد و يسيطر حب الوصول إليه على عواطفه و أحاسيسه ، بينما تعشش فكرة الهيمنة على البرلمان و حصد الأغلبية فيه في ذهن النهضة و عقلها المدبر الغنوشي ، و بالتالي فإن الحديث عن عدم دستورية القوانين الاقصائية الأخيرة الموجهة بالأساس ضد عبير موسي ونبيل القروي و ألفه التراس “عيش تونسي” و غيرهم من الجراثيم السياسية كما يصورهم خصومهم لا تشغل بال هؤلاء كثيرا ، بما أن مجرد السماح لهم بدخول السباق الانتخابي كفيل بإفساد العرس الديمقراطي المنتظر برمته و تحويل الحلم الديمقراطي إلى كابوس مزعج و إجهاض الثورة و خنق وليدها في المهد ووأده قبل أن يشتد عوده.

 

و يبدو واضحا أن تعطيل إرساء المحكمة الدستورية كضمانة لسلامة المسار الديمقراطي في كلّيته لم يكن محض صدفة أو ناتجا عن ظروف قهرية لا دخل لهذه الأطراف السياسية فيها ، بل على النقيض من ذلك كان من صميم أعمالها و تخطيطها.

 

قد يتحجج البعض لتبرير هذه القوانين الإقصائية بأن السياسة فن و تخطيط لا يخلو من مكائد ينجو منها الأكثر تحصينا و الأقدر على مسايرة الخطط و تجنب المكائد و الدسائس ، لكن بهذه الطريقة المفضوحة يصبح واضعو هذه القوانين خصما و حكما في اللعبة السياسية التي ستفقد رونقها و سحرها بعد أن قرروا حسمها قبل أن تبدأ بقوانين على مقاسهم ما يهدد المسار الديمقراطي برمته و يجعله ينقلب على عقبيه.

 

و في تقديرنا أن هذه القوانين لا يمكن أن تكون دستورية و لو وجدت المحكمة الدستورية في البلاد لاسقطتها بالضربة القاضية ، رغم أنني أعتقد جازما أن عبير موسي و نبيل القروي و عيش تونسي جديرون بالإقصاء لكن بأصوات الشعب و اختيارهم لا بقوانين خصومهم و تراتيبهم. فما مدى خطورة هذه القوانين الاقصائية على المسار الديمقراطي في تونس؟

 

  أفق المسار الديمقراطي في تونس على ضوء انتخابات 2019


يبدو واضحا و جليا أن مستقبل المسار الديمقراطي في تونس على ضوء الإنتخابات المقبلة المزمع اجراؤها في اكتوبر و نوفمبر أواخر العام 2019 على المحك تتهدده أخطار كثيرة و تحوم حوله شكوك و تثار تساؤلات عديدة في ظل انهيار شبه تام لكل المؤشرات الاقتصادية و الاجتماعية و تفاقم المديونية وعجز الموازنة المالية.

 

و إن كان الحديث عن انتكاسة سياسية قد تعيد للأذهان شبح الديكتاتورية و تعصف بآمال التونسيين في إرساء أول ديمقراطية في فضائهم الجيوسياسي أمرا بعيد المنال في أفق الإنتخابات المقبلة ، إلا أن خطر الاستبداد السياسي و تغول بعض الأطراف السياسية على غرار برلمان النهضة يبدو أمرا ممكن الحصول بل و متوقعا لدرجة كبيرة تعززه هذه الحملة الاقصائية التي شرعت النهضة و الشاهد في تطبيقها على خصومهم السياسيين ، بعد أن حسم هذ الثنائي الجديد صورة المشهد السياسي في البلاد للخمس سنوات المقبلة على الأقل.

 

لا يزال المسار الديمقراطي في تونس بعد تحولات 2011 في بدايته رغم اقترابه من عمر العشر سنوات، و قد ننتظر لسنوات أطول لنحكم له أو عليه ، رغم أن جذوة الطفرة الحزبية قد خفتت نوعا ما ، بعد أن بلغت بعض الأحزاب السياسية درجة من النضج و أدركت أن مستقبلها رهين جديتها، و الا فمصيرها الزوال و الاندثار ، ما دفعها للانصهار فيما بينها ، و هذا في نظرنا إحدى تمظهرات النضج السياسي المصاحب للمسار الديمقراطي في تونس ، الذي يبقى مهددا لتلازمه مع المسارات الاقتصادية و الاجتماعية التي تواصل انحدارها منذ اندلاع شرارة أحداث ديسمبر 2010 بوتيرة مخيفة جدا في جل الأحيان و استقرارها الظرفي في أحيان قليلة.

 

*الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر موقع “بوليتيكو تونس”.

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

None found

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *