الإثنين 03 أغسطس 2020

“الخبز الحافي”..المأساة التونسية..

تاريخ النشر : 28 أبريل 2019

“الخبز الحافي”..المأساة التونسية..

تمسك قفّتها الفارغة إلّا من رغيفٍ و قارورة ماء و تفكّر في الزّوج شريك الصبر والمعاناة. تفكّر في ابنها الأصغر الذي سيحمل قطعة خبز معه إلى المرعى ويتبعه أباه. تفكّر في ابن سيقصد المدرسة بعد حين سالكًا طريقه اليوميّة الصعبة. تدعو أن لا تتعرّض له الكلاب السّائبة في المسلك الريفيّ وتدعو له كي ينجح .

بقلم رياض عمايرة

الثّالثة فجرًا ، تستيقظُ تاركة الزّوج والأبناء نائمين ، تتفقّد قلبَها الذي إعتاد أن يهبهم الحياة جميعًا ، تردّ الغطاء الذي سقطَ عن أحدهم ، يوخزها ألمٌ عاشرها على مستوى الرّكبة فلا تُبالي به ، تتفقّد دجاجاتها ثمّ تتفقّد الخرافَ لتتأكّد أنّ الذّئب لم يأتِ البارحة ، تغسل وجهها بماءٍ شديد البرودة ، تعجنُ الخبزَ (الكِسْرَى) وتضعه في التنّور غير آبهة بألسنة اللّهب الممتدّة نحو يدها السّمراء ، تطبخُ البيْضَ ليجدَ الزّوجُ والأبناء الفطورَ اللّذيذَ حاضرًا حين تُغادرَ البيتَ. فيتوجّه الأبُ والوليد الأصغر بالنعجات الخمس نحو المرعى ويتّجه باقي الأبناء نحو قاعات الدرس البعيدة.

أمّا هي فيكفيهَا ما تبقّى من عشاء البارحة زادًا يحميها حين يداهمها جوعُ العملِ الشّاق.

تقومُ بكلّ هذا على جناحِ السّرعة حتّى لا تتأخّر عن موعد الشّاحنة التي ستأتي بعد ساعةٍ لتحملهَا مع نسوة الدّوّار نحو الحقل البعيدِ.

تأتي الشّاحنة ، تضعُ المرأة شالهَا و رداءً إضافيّا للتخفّيف من حدّة صقيع الرّحلة الطّويلة ، تأخذ قفّتها وتحرصُ على أن تضعَ بضعة ملاليم تحتَ وسادة الابنة البكر التلميذة بالمعهد.

تشقّ الشاحنة طريقها الوعرة نحو مكان العمل بسرعة جنونيّة كسرعة الوطن في التهام أولاده.

المرأة الأربعينيّة التي تجلس وسطها بصعوبةٍ محاطة برفيقات الرّحلة واليومي لا تعرف شيئا عن هذا الوطن أو العالم.

تمسك قفّتها الفارغة إلّا من رغيفٍ و قارورة ماء و تفكّر في الزّوج شريك الصبر والمعاناة. تفكّر في ابنها الأصغر الذي سيحمل قطعة خبز معه إلى المرعى ويتبعه أباه. تفكّر في ابن سيقصد المدرسة بعد حين سالكًا طريقه اليوميّة الصعبة. تدعو أن لا تتعرّض له الكلاب السّائبة في المسلك الريفيّ وتدعو له كي ينجح .

هي ووالده لا يدّخران جهدًا لتوفير كلّ ما يطلبه الأبناء. وهما لا ينتظران الوطن لأنّه عوّدهم على الغياب ، ينتظران فقط تخرّج الأولاد في المستقبل عساهم يوفّروا عليهما بعض التعب و يرفعوا رأسيهما أمام أهل المنطقة الهادئة.

الزّوج يقول في نفسه أنّه مدين لرفيقة عمره بأشياء كثيرة ، فهي من صبرت معه ،وهي من لم تتركه وحيدًا في مواجهة الزّمن الصّعب . هو فلّاح بسيط كباقي رجال الدوّار ، يملك أرضا صغيرة لم تسعفها الظروف كي تصبح حقلًا مثمرًا. يذهبُ كل عام إلى العمدة ليأخذ نصف أو ربع منحة لابنته الكبرى تلميذة الثانويّ وأحيانا لا يظفر ، فيرجع إلى بيته و زوجته يشتمٌ معها العمدة و العالم ، تدعوه إلى الصّبر فيضع رأسه عندها أو قربها و ينام.

وحدها التي تشعر بالألم الذي يدبّ في قلبه فتبكي صامتة مرّات وتبكي دمعًا حين تكون في خلوتها ، ثمّ تضطر إلى العمل مقابل بضعة دنانير تساعده بها على تلبية مصاريف العائلة.

مساءً تعود متعبةً فيهرعُ إليها الاطفال كفراخٍ تمضي إلى أمها ، ويفرحُ الزوج الطّفل بعودتها وكأنّه وجد والدته التي توفيّت منذ سنوات بمرض عضال. تقبّل الصّغيرَ ، تعدّ العشاءَ ، تخيط الميدعةَ المهترئة ، تسدّ ثقب الحذاءَ ، تغسلُ الثّيابَ ، تتسامر مع رفيق الشقاء والحب و تتحدّث معه عن اليومي و أخبار الدّشرة وعن أشياء كثيرة عدا الوطن . هذه الكلمة التي لا يعرفونها إلّا حين ينطق بها أحدهم من جهاز التلفاز القديم. وربّما لهذا  تلخّصت لهم صورة الوطن في هيئة رجل يخطب ذات مصيبة وبجانبه العلم الأحمر والأبيض.

رغم ذلك فهم يحبّون هذا الوطن الذي لا يعرفونه ويحلمون بمجده ، فكثيرا ما بكت المرأة لحظة استشهاد أحد الجنود وفي لحظات عصيبةٍ أخرى. هذا الحب العذريّ بينَ المرأة و الوطن حبّ من طرف واحد للأسف ، فالمحبوب بعيدٌ في قبضة آخرين وقحين والعاشقة لا تعلم عنه شيئا. فقط هي اختارته حبّا وطواعيّة.

يغيبُ هذا الوطن عن حياة المرأة ويحضر مرّة واحدة ، لحظة الرّحيل وتشييع جثمانها.

تنقلبُ الشّاحنة المجنونة ، يأتي ذئب الموت ، تتناثر القفاف و الأجساد على امتداد الطّريق ، يبكي الزّوج ، تبكي الابنة ، يبكي الابن ، تسقطُ قطعة الخبز من يد الطفل الصّغير وهو يسير حافيًا في جنازة أمّه ، يتوقّف القلب الذي كان يمنحهم الحياة ، تتوقّف الحياة ، عند ذلك فقط تأتي سيّارة ممثّل حكومة الوطن.

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

None found

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *