الثلاثاء 20 أكتوبر 2020

الاعدامات في مصر: حينما ترتقي الأحكام القضائية لجريمة دولة..!

تاريخ النشر : 21 فبراير 2019

الاعدامات في مصر: حينما ترتقي الأحكام القضائية لجريمة دولة..!

“أنا خصيمك يوم القيامة أمام الله”..


سمير جراي*

يعرف الأستاذ رابح الخرايفي استنادا، إلى وثائق الأمم المتحدة بالخصوص عقوبة الإعدام على أنها فعل قتل، والقتل أو الإعدام هو استئصال محكوم عليه، من الحياة على نحو قطعي ونهائي لأسباب جزائية أو سياسية تنفيذا لحكم قضائي باتّ صدر عن قاض عدلي أو عسكري مداوم أو استثنائي.

في تونس بلغ عدد الأشخاص الذين نفذ فيهم حكم الإعدام منذ شهر مارس 1956 إلى سنة 1987، 129 شخصا. (عثمان بن فضل : “الحكم بالإعدام بين الظلمات والنور” ،المجلة القانونية التونسية 1999 ،ص،155..)

كما بلغ عددهم الجملي منذ الاستقلال إلى سنة2007، 135 شخصا، (ورقة بحثية للأستاذ رابح الخرايفي).

تذكرنا الحادثة الفظيعة التي هزت مصر والعالم العربي منذ يومين المتمثلة في جريمة تنفيذ حكم الإعدام في حق تسعة شبان اتهموا بالتورط في قتل النائب العام سنة 2005 بجرائم الأنظمة الفاشية العربية التي تتجرد من إنسانيتها وتقوم هكذا ببساطة بانتزاع الحق في الحياة من أناس ارتكبوا جرائم. وفي غالب الأحيان تكون محاكماتهم غير عادلة أو كانوا خصوما سياسيين. كما تذكرنا جريمة السيسي باتساع حلقات نقاش إلغاء عقوبة الإعدام في تونس خاصة بعد تنفيذ آخر حكم إعدام سنة1990 في ما عرف بقضية سفاح نابل  المدعو الناصر الدمرجي.

تجمع كل المواثيق الدولية والمعاهدات الخاصة بحقوق الإنسان على أن الحق في الحياة مقدسا وغير قابل لا للتنازل. ولا يحق أخلاقيا لأي سلطة بشرية مهما علا شأنها اتخاذ قرار بحرمان إنسان من حقه في الحياة.


ويجمع كل نشطاء حقوق الإنسان على أن الإعدام هو أقصى وأقسى اعتداء جسدي ونفسي يمكن أن يتعرض له الإنسان.


ومن أبرز الحجج التي تقدمها المنظمات المدافعة عن إلغاء عقوبة الإعدام أن العقوبة متى تم تنفيذها لا يمكن العدول عنها أو تعويضها بعد أن تثبت براءة الإنسان المعدوم.

إن النضالات التي خاضتها الحركة السياسية والمجتمعية في تونس منذ التسعينات من أجل إلغاء هذه العقوبة السالبة للحياة مازالت لم تحقق نتائج ملموسة على المستوى التشريعي بالرغم من توقف الدولة عن تنفيذ هذه العقوبة على المحكومين بها. فقد أعلنت الحكومة التونسية في سبتمبر 2017 رفضها توصيات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بشأن إلغاء عقوبة الإعدام.

وربما من أبرز أسباب عدم التحاق تونس بركب الدول التي ألغت عقوبة الإعدام هو رفض الاسلاميين وخاصة حركة النهضة لإلغائها في دستور 2014.

وقد سبق لرئيس الحركة الأستاذ راشد الغنوشي أن عبر عن رفضه لإلغاء عقوبة الإعدام حيث أعلن سنة 2012 في ندوة فكرية انتظمت بقصر المؤتمرات بمناسبة الاحتفال بالذكرى 31 لتأسيس الحركة ، عن معارضته لإلغاء عقوبة الإعدام في تونس، معتبرا أنّ المطالبة بحذف العقوبة مخالفة لتعاليم الشريعة الإسلامية.

وفي الندوة التي نظّمتها منظمة العفو الدولية في مارس 2012 بعنوان ”لنطالب بإلغاء عقوبة الإعدام” اعتبر عضو المجلس التأسيسي عن حركة النهضة آنذاك الحبيب خضر أنه ليس من السليم إلغاء عقوبة الإعدام، مبينا أن الملحق الاختياري للعهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية المتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام يتيح امكانية تحفظ الدول على ابقاء عقوبة الإعدام في بعض الجرائم في وقت الحرب .

ربما تختلف مبررات حركة النهضة لعدم قبولها بالتخلي عن عقوبة الإعدام بين ما هو ديني وواقعي وقانوني، لكن الأكيد أن الوازع العقائدي يمنعها من القبول بذلك بالرغم من أن الاسلاميين الأكثر تضررا من هذه العقوبة على امتداد سنوات في كل الدول العربية.

لقد تميّزت كتابات زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي بالدفاع عن فكرة تأجيل مسألة الحدود وإقامتها إلى حين قيام دولة “الكفاية”، الدولة المحكومة استنادا إلى سنة الرسول وسيرة الراشدين من بعده.

وبالعودة إلى نقاشات هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات في سنوات ما بين 2005 و2009 والوثائق الصادرة عنها فإنه بحسب متابعتنا لتلك النقاشات في تلك السنوات نستنتج بما لا يدع مجالا للشك أن حركة النهضة لم ولن تقبل بإلغاء عقوبة الإعدام حتى وإن فني الاسلاميون عن بكرة أبيهم من قبل الأنظمة الديكتاتورية في العالم وهو ما يفسر تكلس منهج فكر الإسلام السياسي في تونس بخصوص هذه المسألة وجموده.

هنا نشير إلى أن الاسلاميين يطالبون بإبقاء العقوبة القاتلة وتنفيذها في بعض الحالات التي تتوفر فيها شروط المحاكمة العادلة وفقا لتعاليم الشريعة الإسلامية.

قال الشاب محمود الأحمدي الذي تم إعدامه مع ثمانية آخرين يوم الأربعاء الماضي في أحد سجون مصر للقاضي حسن فريد: “أنا خصيمك أمام الله يوم القيامة، أنا واللي معايا مظلومين وأنت عارف ده كويس … أعطني صاعقاً كهربائياً وأدخل أنا وأنت إلى غرفة وسأجعلك تعترف أنك من قمت بقتل السادات”.

هزت هذه الكلمات كل أفئدة الأحرار في العالم وصدم المجتمع الدولي بإعدام الأحمدي ومن معه غير أن هذه الأقوال والأفعال لن تغير من تفكير السيد راشد الغنوشي ومن شابهه من زعماء الإسلام السياسي. ولن تجعل حركة النهضة تنضم إلى المطالبين بإلغاء العقوبة في تونس.

 فلماذا تدين النهضة إعدامات السيسي وترفض إلغاء العقوبة؟ وكيف يتناسب توفير شرط المحاكمة العادلة مع القبول بالتنفيذ والحال أن كل الأحكام الصادرة سياسيا لن تكون فيها أي نزاهة ولا عدالة في الأحكام؟ وكيف يمكن لإنسان أن يسلب الحياة من إنسان آخر مهما كانت جرائمه، أولم يخيّر الرسول الكريم وبعض الخلفاء اجتناب تطبيق بعض الحدود بسبب قساوتها في ظروف معينة؟ أم أن القتل فعل إنساني بامتياز لا يمكن لمن تجرد من إنسانيته أن يتخلى عنه؟ 

*اعلامي تونسي مقيم بالمهجر

*الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر موقع “بوليتيكو تونس”.

Partagez Maintenant !
TwitterGoogle+Linkedin

Related Posts

None found

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *